فبتعليمه الحقائق المربوطة به من المبدأ والمعاد وما بينهما من حقائق العالم ، حتى يعرف نفسه بما ترتبط به من الواقعيات معرفة حقيقية . وأما في ناحية العمل فبتحميل قوانين اجتماعية عليه بحيث تصلح شأن حياته الاجتماعية ، ولا تشغله عن التخلص إلى عالم العلم والعرفان ، ثم بتحميل تكاليف عبادية يوجب العمل بها والمزاولة عليها توجه نفسه ، وخلوص قلبه إلى المبدأ والمعاد ، وإشرافه على عالم المعنى والطهارة ، والتجنب عن قذارة الماديات وثقلها .
وأنت إذا أحسنت التدبر في قوله تعالى :
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
« 1 » ، وضممته إلى ما سمعت إجماله في قوله تعالى :
وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ
الآية ، وإلى قوله تعالى :
عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ
« 2 » ، وقوله تعالى :
يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ
« 3 » ، وما يشابهه من الآيات ، اتضح لك الغرض الإلهي في تشريع الدين وهداية الإنسان إليه ، والسبيل الذي سلكه لذلك ، فافهم .
ويتفرع على هذا البيان نتيجة مهمة : هي أن القوانين الاجتماعية في الإسلام مقدمة للتكاليف العبادية مقصودة لأجلها ، والتكاليف العبادية مقدمة للمعرفة باللّه وبآياته ، فأدنى الإخلال أو التحريف أو التغيير في الأحكام الاجتماعية من الإسلام يوجب فساد العبودية وفساد العبودية يؤدي إلى اختلال أمر المعرفة .
وهذه النتيجة - على أنها واضحة التفرع على البيان - تؤيدها التجربة أيضا : فإنك إذا تأملت جريان الأمر في طروق الفساد في شؤون الدين الإسلامي بين هذه الأمة وأمعنت النظر فيه : من أين شرع وفي أين ختم ، وجدت أن الفتنة ابتدأت من الاجتماعيات ثم توسطت في العباديات ثم انتهت إلى رفض المعارف . وقد ذكرناك فيما مر : أن الفتنة شرعت باتباع المتشابهات وابتغاء تأويلها ، ولم يزل الأمر على ذلك حتى اليوم .
ومنها : أن الهداية الدينية إنما بنيت على نفي التقليد عن الناس وركوز العلم بينهم ما أستطيع ، فإن ذلك هو الموافق لغايتها التي هي المعرفة ، وكيف لا ؟ ولا يوجد بين كتب الوحي كتاب ، ولا بين الأديان دين يعظمان من أمر العلم ويحرضان عليه بمثل ما جاء به
هامش
( 1 ) سورة فاطر : الآية 10 .
( 2 ) سورة المائدة : الآية 105 .
( 3 ) سورة المجادلة : الآية 11 .