وذهب ابن عباس « 1 » وجميع الشيعة الإمامية ، وكثير من علماء أهل السنة إلى أن الآية محكمة ، وحكمها مستمر إلى يوم القيامة . وهذا هو القول الصحيح ، وقد عرفت الدليل عليه . والروايات في ذلك متظافرة من الطريقين .
روى الكليني باسناده عن محمد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : « سمعته يقول : « الكبائر سبع :
قتل المؤمن متعمدا ، وقذف المحصنة ، والفرار من الزحف ، والتعرب بعد الهجرة ، وأكل مال اليتيم ظلما ، وأكل الربا بعد البينة ، وكل ما أوجب الله عليه النار » « 2 » .
وروى أبو هريرة قال : قال رسول اللّه : « واجتنبوا السبع الموبقات » . قالوا : يا رسول اللّه وما هن ؟ قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « الشرك باللّه ، والسحر ، وقتل النفس التي حرم اللّه إلا بالحق ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات » « 3 » .
22 -
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها
« 4 » .
فذهب ابن عباس ، ومجاهد ، وزيد بن اسلم ، وعطاء ، وعكرمة ، والحسن ، وقتادة إلى أنها منسوخة بآية السيف « 5 » .
والحق : أنها محكمة غير منسوخة . والدليل على ذلك .
أولا : إن آية السيف خاصة بالمشركين دون غيرهم . « وقد تقدم بيان ذلك » . ومن هنا صالح النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم نصارى نجران في السنة العاشرة من الهجرة « 6 » ، مع أن سورة براءة نزلت في السنة التاسعة . وعليه فتكون آية السيف مخصصة لعموم الحكم في الآية الكريمة ، وليست ناسخة لها .
وثانيا : إن وجوب قتال المشركين ، وعدم مسالمتهم مقيد بما إذا كان للمسلمين قوة واستعداد للمقاتلة ، وأما إذا لم تكن لهم قوة تمكنهم من الاستظهار على عدوهم فلا مانع
هامش
( 1 ) الناسخ والمنسوخ للنحاس ص 154 ، وتفسير الطبري ج 9 ص 135 .
( 2 ) الوافي ج 3 باب تفسير الكبائر ص 174 .
( 3 ) صحيح البخاري ، باب قول الله تعالى : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ج 3 ص 195 ، وصحيح مسلم ، باب بيان الكبائر ج 1 ص 64 . وسنن أبي داود ، باب التشديد في أكل مال اليتيم ج 2 ص 93 ، وسنن النسائي ، باب اجتناب أكل مال اليتيم ج 2 ص 131 إلا أنه ذكر الشح بدل السحر .
( 4 ) سورة الأنفال : الآية 61 .
( 5 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 322 .
( 6 ) امتاع الأسماع للمقريزي ص 502 .