وكل وجه من الوجوه فهو دليل إعجازه ، وهذه جمل لبسطها تفصيل طويل ، ولهذا قال تعالى :
وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ، أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
« 1 » فهو كاف في الدعوة والبيان ، وهو كاف في الحجج والبرهان . . . .
والقرآن يظهر كونه آية وبرهانا له ، من وجوه ، جملة وتفصيلا :
اما الجملة :
فإنه قد علمت الخاصة والعامة من عامة الأمم ، علما متواترا أنه هو الذي أتى به القرآن وتواترت بذلك الأخبار ، أعظم من تواترها بحق كل أحد من الأنبياء والملوك والفلاسفة وغيرهم .
تحدى أهل مكة :
والقرآن نفسه ، فيه تحدى الأمم بالمعارضة ، والمتحدى هو أن يحدوهم - أي يدعوهم ويبعثهم - إلى أن يعارضوه .
فيقال فيه : حدانى على هذا الأمر - أي بعثني عليه - ومنه سمى حادي العيس ، لأنه بحداه يبعثها على السير .
وقد يريد بعض الناس بالتحدى دعوى النبوة ، ولكن أصله الأول ، قال تعالى في سورة الطور :
أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ . فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ
« 2 » فهنا قال :
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ
، في أنه تقوله ، فإنه إذا كان محمد قادرا على أن يتقوّله كما يقدر الإنسان على أن يتكلم بما يتكلم به من نظم ونثر ، كان هذا ممكنا للناس ، الذين هم من جنسه فأمكن الناس أن يأتوا بمثله .
ثم إنه تحداهم بعشر سور مثله فقال تعالى :
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
، « 3 » ثم تحداهم بسورة واحدة منه فقال تعالى :
وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ . أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا
هامش
( 1 ) سورة العنكبوت - الآية 50 ، 51 .
( 2 ) سورة الطور : الآية 33 - 34 .
( 3 ) سورة هود : الآية 13 .