الجملة ، كذلك تدل على أن السحر أيضا كالمعجزة في كونه عن مبدأ نفساني في الساحر لمكان الاذن .
وبالجملة جميع الأمور الخارقة للعادة سواء سميت معجزة أو سحرا أو غير ذلك ككرامات الأولياء وسائر الخصال المكتسبة بالارتياضات والمجاهدات جميعها مستندة إلى مباد نفسانية ومقتضيات إرادية ، على ما يشير اليه كلامه سبحانه ، الا ان كلامه ينص على أن المبدأ الموجود عند الأنبياء والرسل والمؤمنين هو الفائق الغالب على كل سبب وفي كل حال ، قال تعالى :
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ
« 1 » وقال تعالى :
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي
« 2 » وقال تعالى :
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ
« 3 » والآيات مطلقة غير مقيدة .
ومن هنا يمكن أن يستنتج أن هذا المبدأ الموجود المنصور أمر وراء الطبيعة وفوق المادة . فان الأمور المادية مقدرة محدودة مغلوبة لما هو فوقها قدرا واحدا عند التزاحم والمغالبة ، والأمور المجردة أيضا وان كانت كذلك إلا أنها لا تزاحم بينها ولا تمانع إلا أن تتعلق بالمادة بعض التعلق . وهذا المبدأ النفساني المجرد المنصور بإرادة اللّه سبحانه إذا قابل مانعا ماديا أفاض إمدادا على السبب بما لا يقاومه سبب مادي يمنعه ، فافهم .
5 - القرآن كما يسند الخوارق إلى تأثير النفوس يسندها إلى أمر اللّه تعالى :
ثم إن الجملة الأخيرة من الآية السابقة في الفصل السابق أعني قوله تعالى :
فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ
« 4 » الآية ، تدل على أن تأثير هذا المقتضي يتوقف على أمر من اللّه تعالى يصاحب الاذن الذي كان يتوقف عليه أيضا ، فتأثير هذا المقتضي يتوقف على مصادفته الامر أو اتحاده معه .
فالأمور جميعا سواء كانت عادية أو خارقة للعادة وسواء كان خارق العادة في جانب الخير والسعادة كالمعجزة والكرامة ، أو في جانب الشر كالسحر والكهانة مستندة في تحققها إلى أسباب طبيعية ، وهي مع ذلك متوقفة على إرادة اللّه ، لا توجد إلا بأمر اللّه
هامش
( 1 ) سورة الصّافات : الآية 173 - 171 .
( 2 ) سورة المجادلة : الآية 21 .
( 3 ) سورة المؤمن : الآية 51 .
( 4 ) سورة غافر : الآية 78 .