قبح ذلك الخاطر خاف من اللّه تعالى وفاض بالعرق استحياء من اللّه تعالى ، فكان هذا الخاطر من قبيل ما قال فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم - حين سألوه : إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به - قال : وقد وجدتموه ؟ قالوا : نعم ، قال : ذلك صريح الإيمان . أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة . وسيأتي الكلام عليه في سورة « الأعراف » إن شاء اللّه تعالى » « 1 » .
قال البغدادي : في كون القرآن نزل على سبعة أحرف ، وما قيل في ذلك :
عن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه قال : سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فاستمعت لقراءته ، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكدت أساوره في الصلاة فتربصت حتى سلم فلببته بردائه ، قلت : من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرؤها قال أقرأنيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت : كذبت فإن رسول اللّه قد أقرأنيها على غير ما قرأت ، فانطلقت به أقوده إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت :
يا رسول اللّه إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أرسله اقرأ يا هشام » فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرؤها . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « هكذا أنزلت » ، ثم قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « اقرأ يا عمر » فقرأت بقراءتي التي أقرأني فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « هكذا أنزلت » ، ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه » « 2 » .
قوله : « فكدت أساوره في الصلاة » أي أواثبه وأقاتله وهو في الصلاة والتربص التثبت ، وقوله : « فلببته بردائه » هو بتشديد الباء الأولى ومعناه أخذت بمجامع ردائه في عنقه وجذبته به مأخوذ من اللبة ، وفيه بيان ما كانوا عليه من الاعتناء بالقرآن والذب عنه والمحافظة على لفظه كما سمعوه من غير عدول إلى ما تجوزه العربية ، وأما أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عمر بإرساله فلأنه لم يثبت عنده ما يقتضى تعزيره ، ولأن عمر إنما نسبه إلى مخالفته في القراءة ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يعلم من جواز القراءة ووجوهها ما لا يعلمه عمر ، ولأنه إذا قرأ وهو ملبب لا يتمكن من حضور القلب وتحقيق القراءة تمكن المطلق .
هامش
( 1 ) الجامع لاحكام القرآن ج 1 ص 41 - 49 .
( 2 ) وقد نقل النيشابوري هذه الرواية في غرائب القرآن ج 1 ص 10 .