وحرم الحرام ، واعمل بالمحكم ، وآمن بالمتشابه ، واعتبر بالأمثال .
وكل هذه الأخبار التي ذكرناها عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، متقاربة المعاني ، لأن قول القائل :
فلان مقيم على باب من أبواب هذا الأمر ، وفلان مقيم على وجه من وجوه هذا الأمر ، وفلان مقيم على حرف من هذا الأمر - سواء . ألا ترى أن اللّه جل ثناؤه وصف قوما عبدوه على وجه من وجوه العبادات ، فأخبر عنهم أنهم عبدوه على حرف ، فقال :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ
« 1 » يعني أنهم عبدوه على وجه الشك ، لا على اليقين والتسليم لأمره .
فكذلك رواية من روى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « نزل القرآن من سبعة أبواب » ، و « نزل على سبعة أحرف » سواء ، معناهما مؤتلف ، وتأويلهما غير مختلف في هذا الوجه .
ومعنى ذلك كله ، الخبر منه صلّى اللّه عليه وسلّم عما خصه اللّه به وأمته ، من الفضيلة والكرامة التي لم يؤتها أحدا في تنزيله .
وذلك أن كل كتاب تقدم كتابنا نزوله على نبي من أنبياء اللّه صلوات اللّه وسلامه عليهم ، فإنما نزل بلسان واحد ، متى حول إلى غير اللسان الذي نزل به ، كان ذلك له ترجمة وتفسيرا ، لا تلاوة له على ما أنزله اللّه .
وأنزل كتابنا بألسن سبعة بأي تلك الألسن السبعة تلاه التالي ، كان له تاليا على ما أنزله اللّه لا مترجما ولا مفسرا ، حتى يحوله عن تلك الألسن السبعة إلى غيرها ، فيصير فاعل ذلك حينئذ - إذا أصاب معناه - مترجما له . كما كان التالي لبعض الكتب التي أنزلها اللّه بلسان واحد - إذا تلاه بغير اللسان الذي نزل به - له مترجما ، لا تاليا على ما أنزله اللّه به .
فذلك معنى قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « كان الكتاب الأول ، نزل على حرف واحد ، ونزل القرآن على سبعة أحرف » .
وأما معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الكتاب الأول نزل من باب واحد ، ونزل القرآن من سبعة أبواب » ، فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم عنى بقوله : « نزل الكتاب من باب واحد » ، واللّه أعلم ، ما نزل من كتب اللّه
هامش
( 1 ) سورة الحج : الآية 11 .