تلك اللغات اتصلت إلى أولاده فلا يتكلمون إلا بها . . . فإن دعوى هذا كذب ظاهر . . . ! فإن آدم عليه السّلام ، إنما ينقل عنه بنوه . وقد أغرق اللّه ، عام الطوفان ، جميع ذريته إلا من في السفينة ، وأهل السفينة انقطعت ذريتهم إلا أولاد نوح ، ولم يكونوا يتكلمون بجميع ما تكلمت به الأمم بعدهم ، فإن اللغة الواحدة : كالفارسية ، والعربية ، والرومية ، والتركية . . . فيها من الاختلاف والأنواع ما لا يحصيه إلا اللّه . والعرب أنفسهم ، لكلّ قوم لغات لا يفهمها غيرهم .
فكيف يتصور أن ينقل هذا جميعه عن أولئك الذين كانوا في السفينة ؟ وأولئك جميعهم لم يكن لهم نسل ، وإنما النسل لنوح ، وجميع الناس من أولاده ، وهم ثلاثة : سام وحام ويافث ، كما قال تعالى :
وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ
« 1 » فلم يجعل باقيا إلا ذريته ، وكما
روى ذلك عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن أولاده ثلاثة » رواه أحمد وغيره .
ومعلوم أن الثلاثة لا يمكن أن ينطقوا بهذا كله ، ويمتنع نقل ذلك عنهم ! فإن الذين يعرفون هذه اللغة لا يعرفون هذه . وإذا كان الناقل ثلاثة منهم قد علموا أولادهم ، وأولادهم قد علموا أولادهم ، ولو كان كذلك لاتصلت . ونحن نجد بنى الأب الواحد يتكلم كل قبيلة منهم بلغة لا تعرفها الأخرى ، والأب الواحد لا يقال : إنه علم أحد ابنيه لغة ، وابنه الآخر لغة ، فإن الأب قد لا يكون له إلا ابنان ، واللغات في أولاده أضعاف ذلك . والذي أجرى اللّه عليه عادة بني آدم ، أنهم إنما يعلمون أولادهم لغتهم التي يخاطبونهم بها ، أو يخاطبهم بها غيرهم . فأما لغات لم يخلق اللّه من يتكلم بها فلا يعلمونها أولادهم ، وأيضا فإنه يوجد بنو آدم يتكلمون بألفاظ ما سمعوها قط من غيرهم .
والعلماء من المفسرين وغيرهم لهم في الأسماء التي علمها آدم ، قولان معروفان عن السلف :
أحدهما : أنه إنما علمه أسماء من يعقل ، واحتجوا بقوله :
ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ
« 2 » ، قالوا : وهذا الضمير لا يكون إلا لمن يعقل . وما لا يعقل يقال فيها : علمها .
ولهذا قال أبو العالية : « علّمه أسماء الملائكة لأنه لم يكن حينئذ من يعقل إلا الملائكة ولم يكن له ذرية ، ولا كان إبليس قد انفصل عن الملائكة ولا كان له ذرية » . وقال عبد
هامش
( 1 ) سورة الصافات : الآية 77 .
( 2 ) سورة البقرة : الآية 31 .