ومثل ثان ضربه هذا المستشرق ؛ ليعزز به دعواه هو : لفظ « بشرا » في قوله سبحانه :
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ
[ الأعراف : 57 ] .
قد قرئت أيضا « نشرا » بالنون بدل الباء .
وقد قرأ عاصم بالباء وإسكان الشين ، أي بجمع بشير كنذير ونذر . وقرأ ابن عامر بالنون مضمومة وبإسكان الشين .
وقرأ حمزة والكسائي وخلف بالنون المفتوحة وسكون الشين بمعنى ناشرة أو منشورة ، أو ذات نشر .
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب بضم النون والشين جمع نشر .
فهيئة الرسم إذن ليست هي المرجع في صحة القراءة ، كما يدعى جولد تسيهر ومن تابعه ، وإنما المرجع هو تواتر الرواية كما يقرر المسلمون .
ومثل ثالث يسوقه هذا المستشرق هو كلمة « إياه » في قوله عز وجل :
وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ
[ التوبة : 114 ] .
فقد قرئت : « أباه » .
ومع أن في الإمكان النطق بهذا اللفظ بالباء بدل الياء ، فيما لو كان المعول على الخط وحده فإن قراء المسلمين جميعا يقرءون بالياء ، ويتفقون على أن قراءة الباء منكرة .
ويزعم جولد تسيهر أن بعض القراء كانوا يغيرون القراءات بما ترضاه مقاصدهم وتسيغه أفهامهم وأذواقهم .
ففي قوله تعالى :
يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ . . .
[ البقرة : 54 ] . يذكر جولد تسيهر أن قتادة رأى أن الأمر بالقتل هنا شديد القسوة ، وغير متناسب مع الخطيئة ؛ فقرأ : « فأقيلوا » ، ويقول جولد تسيهر : إنه يرى في هذا المثال : « وجهة نظر موضوعية شاركت في سبب اختلاف القراءة » .
ولا نرى علينا من حق لجولد تسيهر في أن نناقش دعواه هذه ؛ فهي مرفوضة أصلا ؛ لأن « فأقيلوا » ليست من القراءات المتواترة أو المشهورة أو حتى الأربع الشواذ .