ذلك مبلغ النبي صلى اللّه عليه وسلم في الصدق . . . « 1 » إنها فضيلة لعمر ولمن كان في منقبته من بعده .
والإلهام بالخير قد يكون بالآخرة مثل ما يكون في الدنيا ، ففي حديث مسلم « 2 » ( يجمع اللّه الناس يوم القيامة فيهتمون لذلك ( وقال أبو عبيد في رواية : فيلهمون لذلك ) فيقولون : لو استشفعنا على ربّنا حتى يريحنا من مكاننا هذا . . . ) وفي مقدمة الملهمين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . . . فيأتونّي فيقولون : يا محمد ، أنت رسول اللّه وخاتم الأنبياء . . ثم يفتح اللّه عليّ ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه لأحد قبلي . . . . « 3 »
وفي القرآن قوله
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ، فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها . . .
( الشمس 7 ، 8 ) فالإلهام شيء صميمي متصل بتسوية النفس واستقامتها والتي استحقت أن تكون مقسما بها للّه تعالى ، ويشبه الإلهام هنا الهداية في قوله
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ
( البلد 10 ) . مما يدل على تركيب النفس البشرية من عناصر قابلة للخير أو للشر ، ويبدو من تتبع اللغويين أن الإلهام يطلق على الخير وحده ، قال القاموس : ألهمه اللّه خيرا : لقّنه إياه ، واستلهمه إياه :
سأله أن يلهمه ، مع أن البيان القرآني يصرّح أن اللّه ألهم النفس بالشر والخير ، وأن الفجور مقدّم على التقوى . . ممّا يتنافى ظاهرا مع تسوية النفس وفطرتها ، وضرورة أن يكون المعنى المناسب هو ( بيان ) اللّه للنفس فجورها وتقواها ، وقد ورد هذا التفسير لعدد من المفسرين ومنهم ابن عباس . وقال سعيد بن جبير : ألهمهما الخير والشر كما ذكره ابن كثير . ويقول الكشاف : ومعنى إلهام الفجور والتقوى : إفهامهما وإعقالهما وأن أحدهما حسن والآخر قبيح ، وتمكينه من اختيار ما شاء منهما بدليل قوله
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها
فجعله فاعل التزكية والتدسية ومتوليهما ، والتزكية الإنماء والإعلاء بالتقوى ، والتدسية : النقص والإخفاء بالفجور . . . وقال الظلال . . . بعد كلام طويل : وأن هذه
هامش
( 1 ) فتح الباري 7 / 50 .
( 2 ) مسلم إيمان ( 322 ) وانظر الحديث بتمامه .
( 3 ) مسلم إيمان ( 327 ) .