وأما أهل الجدال فهم طائفة فيهم كياسة ، ترقّوا بها عن العوام ، ولكن كياستهم ناقصة ، إذ كانت الفطرة كاملة ، ولكن في باطنهم خبث وعناد ، وتعصب وتقليد ، فذلك يمنعهم عن إدراك الحق ، وتكون هذه الصفات أكنّة على قلوبهم أن يفقهوه ، وفي آذنهم وقرا .
وإني أدعوهم بالتلطف ، ألّا أتعصب عليهم ولا أعنفهم ، ولكن أرفق وأجادل بالتي هي أحسن « 1 » .
- والرازي في تفسيره يفلسف المسألة متأثرا بأسلوب المنطق الصوري ويربط الدعوة بنوعية الدليل والبيان حسب مقتضى الحال ، وبينما يفصل بعض الشيء عن الجدل وأهله ومنزلته من أصناف الناس المدعوين باعتبارهم صنفا خارجا يقصد منه الإفحام وليس الدعوة والتأكيد على كمالية الحكماء فإنه يصنف الناس وفق دعامتين : الثقافة والطباع ، وأن الدعوة ينبغي أن تتناسب مع هاتين الدعامتين ، يقول :
انحصار الحجج في الأقسام الثلاثة : أولها الحجة القطعية المفيدة للعقائد اليقينية ، وذلك هو المسمى بالحكمة ، وهذه أشرف الدرجات وأعلى المقامات ، وهي التي قال اللّه في صفتها
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
( البقرة 269 ) ، وثانيها الأمارات الظنية والدلائل الإقناعية ، وهي الموعظة الحسنة ، وثالثها : الدلائل التي يكون المقصود من ذكرها إلزام الخصوم وإفحامهم ، وذلك هو الجدل . ثم هذا الجدل على قسمين :
الأول : أن يكون دليلا مركبا من مقدمات مسلمة في المشهور عند الجمهور ، أو من مقدمات مسلمة عند ذلك القائل ، وهذا الجدل هو الجدل الواقع على الوجه الأحسن .
الثاني : أن يكون ذلك الدليل مركبا من مقدمات باطلة فاسدة إلّا أن قائلها يحاول ترويجها على المستمعين بالسفاهة والشغب ، والحيل الباطلة ، والطرق الفاسدة ، وهذا القسم لا يليق بأهل الفضل .
إذا عرفت هذا فنقول : أهل العلم ثلاث طوائف : الكاملون الطالبون للمعارف الحقيقية والعلوم اليقينية ، والمكالمة مع هؤلاء لا تمكن إلّا بالدلائل القطعية اليقينية ، وهي الحكمة .
والقسم الثاني : الذين تغلب على طباعهم المشاغبة والمخاصمة لا طلب المعرفة الحقيقية
هامش
( 1 ) الغزالي في : القسطاس المستقيم ونقله د / سليمان دنيا في : تهافت التهافت لابن رشد ص 26 .