تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حكمة القرآن والحضارة — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
وتلميح أن الكفار لا يأمرون إلّا بالكفر ، وإن أشد مكر الخائنين ومكائدهم هي في علم اللّه وقوته وقدرته ، وأن الإقلاع عن هذا وذاك يرسخ قيم التوحيد في الحضارة المثلى .

وعد ووعد ! :

- وللتمكين في الأرض سنن ، ولتدمير الحضارة عوامل ، وهي ليست على مزاج شخص أو فئة ، ولا حسب دعوى إنسان أو وعوده ، فاللّه لا يمكّن للمؤمنين إلا بعد ترسيخ معاني العبودية ومظاهرها في اللّه وحده ، وتجذير معاني الحرية والاختيار في النظر والقول والتصرف المشروع ، وهذا لا يتحقق بالقول والشعار والإعلام ، وكذلك فإن تخريب العمران لا يقع إلا بعد الفساد المستشري والإذلال المزري ونكوص القوى المبدعة ، ومهما تعجّل بعض الناس العذاب المدمّر فإنه لا بدّ من أن يأتي في سننه لا يتخلف عن ذلك ( الحج 47 ) وقريب منها ( يونس 51 ) و ( العنكبوت 53 ) وغيرها . وهو وعد بسوء العاقبة وطرد المنافقين والمنافقات والكفار من رحمة اللّه ( التوبة 68 ) في مقابل وعد قريب للمؤمنين بالجنة الخالدة والرضوان الأكبر لهم ( التوبة 71 ) .

ألوان من الاستمتاع :

إن استعجال المكذبين العذاب سخرية به وهزءا بالرسول يدعهم يظلون يأكلون ويتمتعون ويلههم الأمل وينسيهم استغراقهم بالمفاسد ذكر الحق وقول الحق ، وعندئذ يقع عليهم الدمار
ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ
( الحجر 5 ) فالعاقبة الحسنى ( عاقبة الدار ) بالتعبير القرآني لا بد من أن تكون في علم الإنسان والتاريخ ( الأنعام 135 ) ، وفي ذلك العظة والعبرة ، وفي التهديد به حكمة اللّه ورحمته بالناس عموما وبالمسلمين خصوصا
إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
الآية السابقة . وإن التمتع المغرور والتلذذ السراب والإغراق في زخرف النعيم تغليب الماديات على الروحيات ، وإخلال بتوازن العناصر الحضارية وأسسها وأنشطتها ، وشلّ لفعالية التمكين والتثبيت ، فقد صرّح القرآن بالتمتع المنسي ذكر اللّه حتى كان أصحابه قوما بورا ( الفرقان 18 ) ، وهو تمتع ( بهيمي ) قائم على إشباع الحاجات الدنيا ( محمد 12 ) ، وتمتع زعامي
اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا
( الأنعام 128 ) ، واستمتاع آبائي أبنائي ( الزخرف 29 ) و ( الأنبياء 44 ) واستمتاع أممي ( هود 48 )