ممن يجيدون الفكاهة أدبا أو تصويرا ، إلى أن الفكاهة والفن من معين واحد . وقالوا :
الفاكهة ثمرة الأرض والفكاهة ثمرة العقل « 1 » .
وهي فكاهة تنصب على الجسم عامة وعلى الوجه خاصة مما يذكرنا بسخرية القرآن المقترنة بالتخويف والتنفير من السلوكات المنحرفة حين يتحدث عن المنافقين في جسومهم كأنهم خشب مسندة ( المنافقون 45 ) وعن وجوه الكافرين الغبراء السوداء المرهقة . . . . . .
إن السخرية والتندر من عضو وجهي مكبر كما سبقت الإشارة إليه كثير في مجال الوصف والذم والإقذاع ، فانظر إلى هذه الصورة التي قالها أبو الفرج الأصفهاني : . . . ثم خرجت من الخوخة لحية حمراء يتبعها رجل . . . ولعل محرر آخر ساعة نظر إلى هذا عندما كتب منذ سنوات طويلة في الحديث عن رجل من رجال السياسة كان معروفا بطول شاربيه : ثم خرج من السيارة شاربان يتبعهما رجل « 2 » .
ثم انظر إلى الحركة المتصلة والمستمرة حين :
نقل الأصفهاني عن بعضهم : طلعت علينا عجوز عوراء متكئة على عصا يصفّق أحد لحييها على الآخر .
وتظهر السخرية في المواقف الحرجة وبين يدي كبار المسؤولين الذين يحسن الساخر التخلص منها ومن إحراجات متوقعة : فقد ذكر عن بشار - وهو من الشعراء المقذعين - أنه كان بين يدي المهدي ينشده قصيدة امتدحه فيها ، فدخل عليهما يزيد بن منصور الحميري ، فلما فرغ بشار من إنشاده أقبل عليه يزيد ، وكانت فيه غفلة ، فقال له : يا شيخ ، ما صناعتك ؟
فقال : أثقب اللؤلؤ ، فضحك المهدي ، ثم قال بشار اعزب ( ابعد ) ويلك ، أتتنادر على خالي ؟ فقال : ما أصنع به ؟ يرى شيخا أعمى ينشد الخليفة شعرا ويسأله عن صناعته .
وقد يكون التهكم من القصّاص واضعي الحديث ، فقد مرّ بشار بالبصرة بواحد منهم قائلا :
من صام رجبا وشعبان ورمضان بنى اللّه له قصرا في الجنة صحنه ألفا فرسخ في مثلها ،
هامش
( 1 ) السابق للدكتور إبراهيم ناجي .
( 2 ) من محاضرة د / كامل الكيلاني : الرسالة ( 772 ) للعام 1948 .