الواقع أن يكون كل فرد حكيما موهبة فليس هذا بالمقدور عادة ولكن من الضروري تعويده على الوسطية في الكسب والاختيار والتعامل فهذا من مسئوليته وكسبه واختياره ، وهي تربية معتدلة بعيدة عن التشدد والميوعة والتسيب ، وإذ هو اجتباء واصطفاء فإنه بعيد كل البعد عن اجتباء عنصري واصطفاء عرقي لأنه اجتباء الهداية والإصلاح والتعليم ( النحل 121 ) و ( يوسف 6 ) و ( القلم 50 ) ، وعدّ علماء الأصول الآية قاعدة في صحة ( إجماع ) المسلمين لأنهم عدول ، فقد عدّلوا بقوله ( جعلناكم أمة وسطا ) أي عدولا ، ومقتضى ذلك أنهم عصموا من الخطأ فيما أجمعوا عليه قولا وفعلا « 1 » .
يقول ابن الأثير :
وأرى أن اللّه تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم من الدين ، فلا هم أهل غلو فيه غلو النصارى الذي غلوا بالترهب وقولهم في عيسى ما قالوا فيه ، ولا هم أهل تقصير فيه ، تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب اللّه ، وقتلوا أنبياءهم وكذبوا على ربهم ، وكفروا به ، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه ، فوصفهم اللّه بذلك إذ كان أحب الأمور إلى اللّه أوساطها .
وأما التأويل ، فإنه جاء بأن الوسط : العدل وذلك معنى الخيار لأن الخيار من الناس عدولهم « 2 » . . . . وأكّد ابن حجر السبب ذاته لتوسطهم في الدّين فلم يغلوا كغلو النصارى ، ولم يقصروا كتقصير اليهود ، ولكنهم أهل وسط واعتدال « 3 » .
ثالثا : الشريعة الوسط :
وجعلوا قاعدتهم قول الرسول صلى اللّه عليه وسلم ( خير الأمور أوساطها ) « 4 » .
هامش
( 1 ) فتح الباري 12 / 317 .
( 2 ) جامع الأصول ومرّ أقوال مشابهة عن الطبري وابن حجر .
( 3 ) فتح الباري 8 / 173 .
( 4 ) ضعفه في جامع الأصول بسبب جهالة أحد رواته 1 / 319 ( 101 ) وساق معه روايات أخرى تقوّيه ، منها : خير الأعمال أوساطها ، ولكن السخاوي كما تقدم نقله عن أبي يعلى بسند رجاله ثقات واستشهد على معناه بالآيات القرآنية .