تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
ومثل هذا صحيح إلا في مساواة الخطابي بعبد القاهر ، لأن الأول عني بدقّة اختيار القرآن لمفرداته في مواضع كثيرة من رسالته على ضآلة حجمها ، مشيرا إلى الفروق والإيحاءات ، وسوف نجد أمثال نظرات الخطّابي في الفصل الرابع . وقد عجب الباحث زغلول سلام من شمول نظرة ابن الأثير التي ترى المفردة والنظم كلّا متكاملا ، وذلك عندما رآه ينتقل من باب جمال المفردة إلى باب جمال التركيب ، فيقول : « ومنه يتضح أن ضياء الدين لا يأخذ بالرأي القائل بفصاحة المفردة دون النظم ، وهو مع ذلك لا يرده ، ويبدو من قوله هنا ، وفي مواضع أخرى ، أنه متردّد مضطرب بين رأي ابن سنان ، ورأي عبد القاهر الجرجاني » « 1 » . لكننا نرى ابن الأثير عادلا ، وليس مترددا ، إنما هو تكامل يدلّ على رحابة صدر ، فإذا أخذنا برأي زغلول سلّمنا بتردد من كان على شاكلة ابن الأثير كالزمخشري والسيوطي ، بيد أنهم كانوا منصفين ، وإذا كانت نسبة تأكيدهم على النظم أكبر من عنايتهم بالمفردة ، فهذا لأن الوسائل متوفرة في دراسة النظم ، لأن النحو يحيط بهم أكثر من فن نغم الكلمات ، وأكثر من علم النفس الأدبي الذي يقدم الإيحاءات جلية . وهذا التكامل استمر حتى القرن العاشر الهجري ، فالسيوطي في أسلوبه النّقلي يبسط آراء سابقيه ، ويبيّن مفهومهم عن وجه الإعجاز المتمثل في النظم ، ومن ثم يقول هو بنظم الحروف والكلمات محتذيا بمنهجهم ، وعلى الرغم من هذا لا ينسى أن يدلي برأي عادل إذ يقول : « اعلم أن المعنى الواحد قد يخبر عنه بألفاظ بعضها أحسن من بعض ، وكذلك كل واحد من جزأي الجملة ، قد يخبر عنه بأفصح ما يلائم الجزء الآخر ، واستحضار هذا متعذّر على البشر في أكثر الأحوال » « 2 » .
هامش
مصر ، القاهرة ص / 38 . ( 1 ) سلام ، د . محمد زغلول ، ضياء الدين بن الأثير ، ص / 81 . ( 2 ) السيوطي ، جلال الدين ، الاتقان : 2 / 269 .