تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
وهو يشتمل على المرئيات والمسموعات مناسبا الحاستين البشريتين اللتين توائمان الحسّ الجمالي . ومثل هذا ما ورد في وصف نساء الجنة ، فيعبّر البيان القرآني بالكلمة والكلمتين عن الجمال الشكلي وجمال المضمون الخلقي ، ومنه قوله تعالى :
فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ
« 1 » ، فعبر بهاتين الكلمتين عن عفافهن وشرفهن وفرحة أزواجهن ، وما يتصل بالقناعة والرضا وعدم التطاول ، ويكتفي الدارس القديم عادة بالقول : إن هذا من باب الإشارة كما كان من ابن قيم الجوزية « 2 » . وقد حضّ القرآن الكريم على طاعة الوالدين ، ومن هذا قوله عز وجل :
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ
« 3 » فكلمة « أفّ » تشمل ترك التعرض لهما بيسير من الإيلام النفسي فضلا عن كثيره ، ولا شك أنّ انتزاع المفردة من عملية حسية هي النّفخ في التراب ، وما إلى ذلك ، جعلها تصوّر بحسية هذا الموقف ، فهي اسم صوت بمعنى أتضجّر ، وهي تختزن ما يقال قبلها ، وما يقال بعدها من كلمات غير لائقة بمكانة الوالدين السامية ، فقد مثّلت الحالة النفسية بحسّيتها . ولنتأمل تصوير الكفار يوم القيامة في قوله عز وجل :
خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ
« 4 » ، فإن كلمة « خفيّ » تختزن كلّ المعاني النفسية التي يتّسم بها ذلك الذليل ، وهي منتزعة من صورة بصرية ، وتختزن كلّ تأوّهاته وحنقه على من أضلّه ، وقد رأى العذاب ، وتوحي بإيجاز رائع بخجلته من خالقه وانكساره . إن الاختزان المتصل بالتهذيب وارد بكثرة في مفردات سرد القصة القرآنية ، كما وجدنا في الفقرة السابقة ما جاء في الحديث عن قوم لوط وقصة يوسف عليهما السلام . وكما أن التهذيب لا يقتصر في القرآن على الأمور النسائية ، فكذلك
هامش
( 1 ) سورة الرحمن ، الآية : 56 . ( 2 ) انظر ابن قيّم الجوزيّة ، الفوائد ، ص / 125 . ( 3 ) سورة الإسراء ، الآية : 23 . ( 4 ) سورة الشّورى ، الآية : 45 .