تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
وعلى سبيل المثال لا الحصر كان التعبير عن فظائع الكافرين بكلمة « آسفونا » في قوله عز وجل :
فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ
« 1 » وهي لا تتصل بالكناية أو التّعريض أو الإلغاز مما ذكر البلاغيون ، وإنما هي كلمة تردّ على كلّ شنائع الكفار من استكبار واستهزاء وعبادة أصنام وقتل وشذوذ ، وهي كلمة أليق بالذات الإلهية التي تقدم الرحمة على الغضب . ومن هذا قوله تعالى في تعليم المؤمنين آداب الزيارة :
وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ، ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ
« 2 » ، لقد اختصر البيان القرآني كلّ ما يمكن أن يحدث في عدم الاستئذان من قبائح ومنكرات بكلمة « أزكى » ، ومن اشتقاقات المادة « الزكاة » التي تطهّر النفوس ، وتحدّ من جبروتها . إن ما نقع عليه في كتب المحدثين يختلف عن منهج القدامى ، لأن المحدثين لا يعنون بجلاء المصطلح البلاغي في سياق تأملهم الفني ، بل يعمّقون الإحساس في تملّي الجمال القرآني ، ولا بأس أن نورد نبذة مما لدى المحدثين ، ومن هؤلاء محمد عبد اللّه درّاز الذي تأمل بعض آيات سورة البقرة ، وراح يفسّرها تفسيرا أدبيا ، وكانت الآيات تتحدث عن بني إسرائيل ، فتذكر النّعمة ، ثم تذكر سفاهتهم مع موسى عليه السلام ، وعبادتهم العجل يقول دراز : انظر إليه بعد أن سجّل على بني إسرائيل أفحش الفحش ، وهو وضعهم البقر الذي هو مثل في البلادة موضع المعبود الأقدس ، وبعد أن وصف قسوة قلوبهم في تأبّيهم على أوامر اللّه ، فتراه لا يزيد على أن يقول في الأولى إن هذا ظلم ، وفي الثانية
بِئْسَمَا
« 3 » ، أذلك كلّ ما قابل به هذه الشّناعات ، نعم إنهما كلمتان وافيتان بمقدار الجريمة لو فهمتا » « 4 » . ولا يصل بنا إجلالنا لمثل هذا التحليل إلى الإجحاف بالقدامى ، فإننا على الأقل نحسّ نفس الزمخشري في نظرة درّاز .
هامش
( 1 ) سورة الزّخرف ، الآية : 55 . ( 2 ) سورة النور ، الآية : 28 . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية : 90 . ( 4 ) دراز ، د . محمد عبد الله ، النبأ العظيم ، ص / 121 .