تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
قصّر عنه في أنّ الرافعي عرّفنا بأدوات القرآن التي يجعلها لتعديل الكفّة ، وإيجاد التلاؤم والانسجام ، أما الخطيب فلم يفعل ذلك . وقد أكّد الدكتور نور الدين عتر أهمية الصوت في مراعاة المواقف المصوّرة ، وهو لا يظهر هذا في السور المكية ، بل في سورة البقرة ، إذ يظهر التباين في التشكيل الصوتي بين الحديث عن المؤمنين وبين الحديث عن الكافرين في سورة واحدة ، فقد جاء في تفسيره لأوائل سورة البقرة : « ففي الحديث عن المؤمنين تجد المدّات في فواصل الآيات مع الحروف السّهلة ذات الوقع الخفيف على الأذن تعطي الكلام وقعا لطيفا مناسبا للتأثير العاطفي . وفي الغضب والسّخط تجد الحروف قوية الوقع شديدة التأثير ، مثل الميم الساكنة في الحديث عن الكافرين ، ثم هذه الألفاظ « صمّ ، بكم ، رعد ، برق » ، والحركات المتلاحقة ذات الجرس القوي « صواعق ، ظلمات » تقرع الأذن بأصداء المشهد المخيف حتى تشترك في الإحساس بما أحسّ به الفكر ، وما وقع في القلب » « 1 » . ونلاحظ فيما ذكره الدكتور عتر مفهوم الشّدة وليس الثّقل ، كما أنه دلّ على مواقع الخفّة والشّدة مما يبعد نظرته عن خطل التكهّن ، وهو يؤكد أن أصوات القرآن كلّها خفيفة ، وهذه الخفّة متفاوتة ، ولذلك نستبعد قول الباحثين « حرف ثقيل » ونستبدل به قولنا : حرف شديد ، لأن العربية الرفيعة قد استبعدت ما هو ثقيل عن الاستعمال ، وجاء القرآن الكريم ، واستبعد مفردات أخرى من خلال اختياره للأصوات ، فالقاف ليس حرفا ثقيلا ، ولن يتعسّر النّطق به ، أو يثقل على لسان القارئ ، وفي أذن السامع « 2 » . ويجب أن ننوّه بأن القدامى لم يكونوا مقصّرين في إحساسهم بالصوت ، وإذا كانوا قد أكّدوا رقّة الصوت ، فإنهم أحسّوا أيضا بالشّدة الصوتية ، وأطلقوا عليها فصاحة وجزالة ، إذ كان هذا المصطلح يغلّف الكثير مما ذكره المحدثون ، فالإحساس بالرّهبة والشّدة موجود في تأملات القدامى الفنية ، بيد أن المصطلح القديم لم يكن يساعد على الكشف الواضح ، ولكي لا نبخسهم حقّهم نقول : إن عدم الكشف هذا لا يقتصر على الأسلاف بل ينطبق على كثير من المحدثين .
هامش
( 1 ) عتر ، د . نور الدين ، القرآن والدراسات الأدبية : 291 . ( 2 ) من توجيهات الدكتور المشرف .
جماليات المفردة القرآنية — صفحة 203 | احمد ياسوف