تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
ونجد في كتاب ابن أبي الإصبع ما يعدّ مسايرة لأحكام الدارسين قبله ، فقد استمرت ألفاظ مثل « فصيح وجزل ورقيق وعذب » ، وغيرها مما يدلّ على التعميم والإجمال ، يقول عن الفرق بين الجزالة والفصاحة في كتابه « بديع القرآن » : ومنها قوله تعالى :
الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ
« 1 » ، وقوله سبحانه :
فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا
« 2 » ، فألفاظ هذه الجملة كلّها من هذا الباب ، وأجزلها قوله تعالى :
« اسْتَيْأَسُوا »
وأفصحها قوله سبحانه :
« خَلَصُوا نَجِيًّا »
، وقلّ أن تجتمع الفصاحة والبلاغة في جملة من هذا الباب إلا في هذه الجملة » « 3 » . وكأنما يخلو القرآن من أمثال هذه المفردات ، وكأنما أحصاها ، فاستوفى السور كلّها ، ومن ثمّ أطلق حكمه هذا الذي يعدّ أشدّ تعميما من حكم أسلافه ، وما هي إلا إشارة عابرة كانت له في كتابه .

- الخفّة عند البارزي :

ينقل السيوطي في « إتقانه » ما ورد في أوّل كتاب « أنوار التحصيل في أسرار التنزيل » ، ونقع في هذا الاقتباس على ما يدل على تدبّر عميق لماهية الصّوت ، وذلك من خلال ذكر مفردات مرادفة مما يبيّن لنا مظاهر الخفّة في المفردة ، إذ يقول البارزي : « اعلم أنّ المعنى الواحد قد يخبر عنه بألفاظ بعضها أحسن من بعض ، ومنها قوله تعالى :
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ
« 4 » أحسن من التعبير بتقرأ لثقله بالهمزة ، ومنها :
لا رَيْبَ فِيهِ
« 5 » أحسن من لا شكّ فيه ، لثقل الإدغام ، ولهذا كثر الرّيب ، ومنها
وَلا تَهِنُوا
« 6 » أحسن من ولا تضعفوا لخفّته ، و
وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي
« 7 » أحسن من ضعف ، لأن الفتحة أخفّ من
هامش
( 1 ) سورة يوسف ، الآية : 51 . ( 2 ) سورة يوسف ، الآية : 80 ، نجيّا : يناجي بعضهم بعضا . ( 3 ) ابن أبي الإصبع ، بديع القرآن ، ص / 287 . ( 4 ) سورة العنكبوت : الآية : 48 . ( 5 ) سورة البقرة ، الآية : 2 . ( 6 ) سورة آل عمران ، الآية : 139 . ( 7 ) سورة مريم ، الآية : 4 .