تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
مختلفة متباينة ، ومتنافرة مستكرهة تشقّ على اللسان وتكدّه » « 1 » . وهذا يعتمد على طبيعة حروف الكلمة التي تتّفق ، أو تختلف مع حروف الكلمة المجاورة ، ثم يقول الجاحظ : « فهذا في افتراق الألفاظ ، فأما افتراق الحروف ، فإنّ الجيم لا تقارن الظّاء ، ولا القاف ولا الطاء ولا الغين بتقديم ولا تأخير ، والزاي لا تقارن الظّاء ولا السّين ولا الضّاد ولا الذّال بتقديم ولا تأخير » « 2 » . وهذا يدل على أن العرف اللغوي المعتاد يندر فيه الثّقل الناجم عن تنافر بين المخارج ، وذلك لأن مخرج الجيم بين اللسان وبين الحنك الأعلى ، ومخرج الظاء بين أطراف الثّنايا وبين طرف اللسان ، ومخرج القاف أوّل الحلق ، ومخرج الطاء طرف اللسان ، وأصول الثّنايا ، فالمخارج متقاربة . ويبدو أنّ هذا الاستهجان للثقيل الوعر كانت له دواعيه الناتجة عن استيفاء علماء اللغة قديما لمفردات كلّ القبائل ، مما جعلهم يقعون على رصيد لا بأس به من ألفاظ وعرة خشنة ، فجاء الأدباء لينفّروا الناس منها . وبعد أن بيّنا وفق نظرة الجاحظ أن الذوق السليم يميل إلى سهولة المخارج ، لا بدّ أن نتعرض لما ذكره الرماني ، فما ذكره جدير بالانتباه ، لأنه دلّ على سهولة المخارج في القرآن بشكل خاص ، يقول : « والسبب في التلاؤم تعديل الحروف في التأليف ، فكلّما كان أعدل كان أشدّ تلاؤما ، وأما التنافر فالسبب فيه ما ذكره الخليل « 3 » من البعد الشديد أو القرب الشديد . والفائدة في التلاؤم حسن الكلام في السمع ، وسهولته في اللفظ ، وتقبّل المعنى له في النفس ، لما يرد عليها من حسن الصورة ، وطريق الدّلالة » « 4 » .
هامش
( 1 ) الجاحظ ، البيان والتبيين : 1 / 37 - 38 . ( 2 ) الجاحظ ، البيان والتبيين : 1 / 39 . ( 3 ) هو الخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب معجم « العين » توفي في 170 ه ، وهو أستاذ سيبويه ، ومن كتبه أيضا « العروض » و « معاني الحروف » و « تفسير الحروف » و « النقط والشكل » انظر طبقات النحويين واللغويين للزبيدي ص / 34 وانظر الأعلام : 2 / 314 . ( 4 ) الرمّاني ، ثلاث رسائل في الإعجاز : 88 .