وها هو عطاء مع أنه من المدرسة المكية قد سئل عن شيء ، فقال : لا أدري ، قيل :
ألا تقول برأيك ؟ قال : إني أستحيي من اللّه أن يدان في الأرض برأيي « 1 » .
وقد نتج من ذلك قلة المنقول عن هؤلاء ، فلا نكاد نجد لعطاء مثلا في حل المشكل أثرا أو رواية .
ونحن إذ نرى عكرمة وقد خاض غمار الاجتهاد يقول عن نفسه : كنت أسمع الكلمة فينفتح لي خمسون بابا من العلم « 2 » .
نجد في المقابل قتادة ، راوية العراق يقول : ما قلت في شيء برأيي منذ خمسين سنة « 3 » .
ونجد موقفا آخر من مواقف الورع والإحجام عن الاجتهاد ، ألا وهو موقف طاوس إمام أهل اليمن ، والذي درس على يد ابن عباس - رضي اللّه عنه - ، نراه يقول عن الحسن وقد ذكر له : « ذاك رجل جريء » « 4 » .
في حين نجد الحسن نفسه يسأل : أرأيت ما تفتي به الناس شيئا سمعته ، أو تقوله برأيك ؟ قال : لا واللّه ما كل ما نفتي به سمعنا ، ولكن رأينا خير لهم « 5 » .
ويقول أيضا : « نعم وزير العلم الرأي الحق » « 6 » .
فهذه النصوص تبين الواقع لهؤلاء في الاجتهاد ، كما أن تلك النصوص بينت الواقع لأولئك في الإحكام ، وقد زخر التراث بذلك كله ، وما زالت كلمات أولئك
هامش
( 1 ) السير ( 5 / 86 ) ، وتهذيب الكمال ( 20 / 82 ) ، والتهذيب ( 7 / 202 ) .
( 2 ) ينظر ترجمة عكرمة ص ( 159 ) .
( 3 ) سبق بيان ذلك في ترجمة قتادة ( 274 ) .
( 4 ) المعرفة ( 2 / 44 ) .
( 5 ) تهذيب الكمال ( 6 / 108 ) ، إعلام الموقعين ( 1 / 87 ) .
( 6 ) جامع البيان العلم ( 2 / 177 ) .