والزركشي مع قوله : إن القرآن كان على هذا التأليف والجمع في زمن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلا أنه يعقب عليه بقوله : وإنما ترك جمعه في مصحف واحد ، لأن النسخ كان يرد على بعض ، فلو جمعه ثم رفعت تلاوة بعض ، لأدى إلى الاختلاف ، واختلاط الدين » « 1 » .
فيرده التصريح بالجمع فيما تقدم من روايات وأدلة وأمارات يقطع العقل بصحبتها ، والتحقيق العلمي يقتضي أن يكون القرآن كله قد كتب وجمع في عهد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كما يرى ذلك ابن حجر « 2 » .
أما تعليله عدم جمع القرآن في مصحف بنسخ تلاوة ، فمعارض ومطروح بمناقشة المسألة أصلا وموضوعا ، إذ لا نسخ تلاوة في الكتاب الكريم ، والقول بنسخ التلاوة هو عين القول بالتحريف ، ولا تحريف بالكتاب إجماعا ، فالآية حينما تنزل فهي قرآن سواء نسخت أو لم تنسخ ، ورفعها من القرآن يعني ما هو قرآن .
وعلى فرض وجود النسخ المدعى ، فالإشكال نفسه يرد بالنسبة للحفظ والاستظهار ، فحفاظ القرآن أكثر من أن يحصوا ، فإذا نزل الناسخ للتلاوة وقع ذات الإشكال ، وصعب إزالة ما هو محفوظ في الصدور ، بينما لو ثبت كتابة ، لكان الرفع والإزالة أيسر ذلك بالإشارة إلى مواضعها وهو أبرم للأمر كما هو ظاهر .
وفي ضوء ما تقدم ، لا نميل إلى الرأي القائل بأن القرآن لم يجمع في مصحف واحد ، لئلا يرد الناسخ فيؤدي إلى الاختلاف .
والذي يلفت النظر حقا من جراء الاعتقاد أو التصور بأن أبا بكر ( رض ) قد جمع القرآن في مصحف ، هو مصير هذا القرآن المجموع ، فليس بين أيدينا رواية واحدة تتحدث عن هذا القرآن بأنه قد جمع للمسلمين ، أو
هامش
( 1 ) الزركشي ، البرهان : 1 / 235 .
( 2 ) ابن حجر ، فتح الباري : 9 / 12 .