يعنى فيما سكت عنه القرآن لئلا يكون ما كذبوهم فيه مما حفظوا أو يكون ما صدقوهم به مما نسوا حقيقته أو حرفوا أو بدلوا .
( الوجه العاشر ) : أن ما في القرآن ما هو مخالف للعهدين العتيق والجديد ، وهو مما لا يعلم إلى الآن أن أحدا من اليهود والنصارى قال به ، كمخالفة سفر الخروج فيمن تبنت موسى ، ففيه أنها ابنة فرعون وفي القرآن أنا امرأته ، وفيما فيه من عزو صنع العجل الذي عبده بنو إسرائيل إلى هارون عليه السلام بعزوه إياه إلى السامري وإثباته لإنكار هارون عليهم فيه ، وغير ذلك .
بل ما جاء به محمد أكبر وأعظم من كل ما في الكتب الإلهية ما صحّ منها وما لم يصح كما سنبينه .
رويدكم أيها المفتاتون « 1 » الذين يقولون ما لا يعلمون ، إنّ وحى القرآن أعلى مما تزعمون ، وأكبر مما تتصورون وتصورون ، وإنّ محمدا أقل علما كسبيا مما تدعون وأكمل استعدادا لتلقى كلام اللّه عن الروح القدس مما تستكبرون .
وإذا كان وحى القرآن أعلى وأكمل من جميع ما حفظ عن أنبياء اللّه ورسله ، لأنه الخاتم لهم ، المكمّل لشرائعهم الخاصة الموقوتة ، فأجدر به أن يكون أكمل مما وضعه ( سولون ) الفيلسوف اليوناني الذي شبه محمدا بأحد ملاحد عصرنا في مصرنا ، مع بعد الشبه بين أمي نشأ بين الأميين ، وفيلسوف نشأ في أمة حكمة ، وتشريع ودولة وسياسة ، ودخل في كل أمور الأمة والدولة كسولون هذا « 2 » .
هامش
( 1 ) يقال افتات فلان إذا سبق بفعل شئ واستبد له ولم يؤمر فيه من هو أحق منه بالأمر فيه لأنه أعلم به وأجدر بتحقيقه ، ويقال : فلان لا يفتات عليه ، أي لا يتداخل أحد في أموره بدون أمره وإذنه . وأصله الهمز . فيقال : افتات عليه أيضا .
( 2 ) سولون : أحد فلاسفة اليونان السبعة في القرن السابع قبل المسيح ووالدته ؛ من أبناء بستاروتس آخر ملوك أثينا ، وكان من رجال المال ورجال الحرب ، وتولى في بلاده بعض الأعمال الإدارية والعسكرية وقيادة الجيش . وقد انتخب في سنة 945 ق . م ( أرخونا ) أي رئيسا على الأمة بإجماع أحزابها كلهم ؛ وقلدوه سلطة مطلقة لتغيير ما شاء من نظم البلاد وقانونها الذي وضعه ( زراكوت ) من قبله ، فوضع لهم نظاما جديدا قررت الحكومة والأمة اتخاذه دستورا متبعا عشر سنين . فسولون كان في قانونه منقحا ومجددا لقانون أعظم أمة من أمم الحكمة والحضارة نشأ فيها ، فكان متعلما وفيلسوفا وحاكما وقائدا ورئيسا .
أفيقاس عليه محمد صلّى اللّه عليه وسلم الأمى الذي لم يقرأ سطرا ولم ير كتابا ، ولا تولى عملا إداريا ولا سياسيا ؟ ثم إن ما جاء به لم يكن قانونا موضعيا منقحا لقوانين أخرى قبله ، بل كان إصلاحا لجميع البشر في عقائدهم وآدابهم وأحكامهم وسياستهم وحروبهم الخ ؟ انظر أيها القارئ إلى شبهات ملاحدة المسلمين على دينهم ونبيهم الذي هو مناط شرفهم وفخرهم على الأمم ! !