( خامسا ) : أنه استفاد من أسفاره وممن لقيه فيها ، وفي مكة نفسها من النصارى كثيرا من المعلومات عن النبيين والمرسلين الذين بعثهم اللّه في بني إسرائيل وغيرهم فأخرجوهم من الظلمات إلى النور .
ونقول : إنّ هذا لم يصح عندنا ولا يضرنا .
( سادسا ) : أنّ تلك المعلومات لم تكن كلّها مقبولة في عقله لما عرض للنصرانية من الوثنية بألوهية المسيح وأمه ، وغير ذلك وبما حدث فيها من البدع .
ونقول : هذا مبنى على ما قبله ، فهو معقول غير منقول .
( سابعا ) : إنه كان قد سمع أنّ اللّه سيبعث نبيا مثل أولئك الأنبياء من العرب في الحجاز قد بشر به عيسى المسيح وغيره من الأنبياء ، وأن هذا علق بنفسه فتعلق رجاؤه بأن يكون هو ذلك النبي الذي آن أوانه .
ونقول : إن هذا استنباط لهم مما قبله غير صحيح وسيأتي ما فيه .
( ثامنا ) : وهو نتيجة ما تقدم : أنه توسل إلى ذلك بالانقطاع إلى عبادة اللّه تعالى والتوجه إليه في خلوته بغار حراء فقوى هنالك إيمانه ، وسما وجدانه ، فاتسع محيط تفطره ، وتضاعف نور بصيرته ، فاهتدى عقله الكبير إلى الآيات البيّنات في ملكوت السماوات والأرض على وحدانية مبدع الوجود ، وسر النظام الساري في كلّ موجود ، بما صار به أهلا لهداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور ، وما زال يفكر ويتأمل ، وينفعل ويتململ ، ويتقلّب بين الآلام والآمال ، حتى أيقن أنه هو النبىّ المنتظر ، الذي يبعثه اللّه لهداية البشر ، فتجلّى له هذا الاعتقاد في الرؤى المنامية ثم قوى حتى صار يتمثل له الملك يلقنه الوحي في اليقظة .
وأما المعلومات التي جاءته في الوحي فهي مستمدة الأصل من تلك الينابيع التي ذكرناها ، ومما هداه إليه عقله وتفكره في التمييز بين ما يصح منها وما لا يصح ، ولكنها كانت تتجلّى له نازلة من السماء ، وأنها خطاب الخالق عزّ وجلّ بواسطة الناموس الأكبر ملك الوحي جبريل روح القدس عليه السلام ، الذي كان ينزل على موسى بن عمران ، وعيسى ابن مريم وغيرهما من النبيين عليهم السلام .
وقال أحد ملاحدة المصريين : إن سولون الحكيم اليوناني وضع قانونا وشريعة لقومه فليس بدعا في العقل أن يضع محمد شريعة أيضا ، وسأبين فساد هذا الرأي أيضا .
الوحي المحمدي — صفحة 82
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٨٢