الأمر ، وعمل برأي أبى بكر كما فصّلناه في تفسير سورة الأنفال ، ولم تكن آية الأمر له بالمشاورة قد نزلت فهي إنما نزلت في غزوة أحد ( وكانت غزوة بدر في السنة الثانية للهجرة وغزوة أحد في الرابعة ) .
وقد بينت في تفسير الآية الأولى [ وهي الآية : 58 من سورة المائدة ] ما تدل عليه من قواعد الحكم الإسلامي وكونه أفضل من الحكم النيابي الذي عليه دول هذا العصر « 1 » .
ومن الدلائل الكثيرة على أن التشريع القضائي والسياسي هو حق الأمة المعبر عنها في الحديث بالجماعة : أن القرآن يخاطب بها جماعة المؤمنين في هاتين الآيتين الخاصتين بالحكم العام والدولة وفي سائر الأحكام العامة كقوله تعالى :
بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[ التوبة : 1 ] وما يليها من الآيات المتعلقة بالمعاهدات والحرب والصلح ، وما في معناها من سور الأنفال ، والبقرة ، وآل عمران ، ومثل قوله تعالى :
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
[ الحجرات : 9 ] .
وكذلك خطابه لهم في أحكم الأموال كالغنائم وتخميسها وقسمتها ، وأحكام النساء وغيرها ( وقد بينا هذا كله في مواضعه من التفسير ) .
وقد صرّح كبار النظار من علماء الأصول بأنّ السلطة في الإسلام للأمة يتولاها أهل الحلّ والعقد الذين ينصبون عليها الخلفاء والأئمة ويعزلونهم إذا اقتضت المصلحة عزلهم .
قال الإمام الرازي في تعريف الخلافة : هي رئاسة عامة في الدين والدنيا لشخص واحد من الأشخاص . وقال في القيد الأخير ( الذي زاده على من قبله ) : هو احتراز عن كل الأمة إذا عزلوا الإمام لفسقه .
وقال العلامة السعد التفتازاني في شرح المقاصد عند ذكر هذا التعريف وما علل به القيد الأخير : وكأنه أراد بكل الأمة أهل الحل والعقد واعتبر رياستهم على من عداهم أو على كل من آحاد الأمة . أ . ه .
وقد فصلنا مسألة سلطة الأمة في كتابنا « الخلافة أو الإمامة العظمى » .
فهذه القاعدة الأساسية لدولة الإسلام أعظم إصلاح سياسي للبشر قررها القرآن في
هامش
( 1 ) راجع ص 180 - 222 ج 5 تفسير المنار وكتاب الخلافة .