تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوحي المحمدي — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤

الفرق بين المعجزة والكرامة

إن اللّه تعالى لم يؤيد رسله بما أيّدهم به من المعجزات إلا لتكون حجة لهم على أقوامهم يهدى بها المستعد للهداية ، وتحق بها الكلمة على الجاحدين المعاندين فتقع عليهم العقوبة ، وذلك لا يكون إلا بإظهارها ، فهو واجب لإتمام تبليغ الدعوة التي أرسلوا لتبليغها . وما كان الأنبياء يدعون اللّه تعالى بشيء من خوارق العادات غير ما يؤيدهم به من الآيات الدالة على صدقهم في دعوى الرسالة إلا لضرورة كالاستسقاء . وكان خاتمهم وأكرمهم على اللّه تعالى يصبر هو وأهل بيته وأصحابه على المرض والجوع والعطش ، ولا يدعو لهم صلّى اللّه عليه وسلّم بما يزيل ذلك إلا نادرا . وقد سألته المرأة التي كانت تصرع أن يدعو اللّه لها بالشفاء فأرشدها إلى أن الصبر على مصيبتها خير لها ، فشكت إليه أنها تتكشف عند النوبة وسألته أن يدعو لها ألا تتكشف فدعا لها واستجاب اللّه دعاءه . وكان المشركون يقترحون عليه الآيات كآيات موسى وعيسى ( ع . م ) ، فيجيبهم بأمر اللّه تعالى بما هو صريح في أن الآيات عند اللّه وهو القادر عليها دون الرسول ، ومنه التعجب من طلبهم بقوله تعالى له :
قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا
[ الإسراء : 93 ] ، وقوله وما في معناها ما حكاه من جواب الرسل الأولين لأقوامهم الذين كانوا يطالبونهم بمثل ذلك بقوله تعالى :
قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
[ إبراهيم : 11 ] . والأصل في الكرامة الإخفاء والكتمان وكثيرا ما يكون ظهورها فتنة للناس . وما كان أهلها يظهرون ما لهم كسب فيه منها كالمكاشفة إلا لضرورة وقد صرح بهذا محققو العلماء والصوفية ، فهو متفق عليه بينهم خلافا للمشهور بين العامة . قال التاج السبكي في سياق حجج منكري جواز وقوع الكرامات من طبقات الشافعية : « ( الحجة الثانية ) : قالوا لو جازت الكرامة لاشتبهت بالمعجزة ، فلا تدلّ المعجزة على ثبوت النبوة . والجواب منع الاشتباه بقرن المعجزة بدعوى النبوة دون الكرامة ، فهي إنما تقترن بكمال اتباع النبي من الولي . وأيضا فالمعجزة يجب على صاحبها الاشتهار ، والكرامة مبناها على الإخفاء ، ولا تظهر إلا على الندرة والخصوص لا على الكثرة والعموم . وأيضا فالمعجزة يجوز أن تقع بجميع خوارق العادات ، والكرامة تختص ببعضها كما بيناه من كلام القشيري وهو الصحيح » أ . ه . ثم قال :
الوحي المحمدي — صفحة 154 | الشيخ محمد رشيد رضا