من الأذهان ، تارة بالحجة والبرهان ، وتارة بضرب الأمثال ، وقد تكرّر في آيات بينات ، لعلها تبلغ المئات ، ومن إعجازه أنها لا تمل ولا تسأم ، بل لا يكاد يشعر قارئها بتكرار معانيها ، وإن تقارب جنسها ونوعها وترادفت سورها . فتأمل ذلك في سور المفصل ، ترى تكرار الكلام على البعث والجزاء فيها بما لا يخطر على بال بشر من اختلاف الأسلوب والنظم والفواصل ولا سيما المتناسبة المتصلة كالمرسلات مع النبأ ، والنازعات مع عبس ، والتكوير مع الإفطار ، والمطففين مع الانشقاق وغيرهن .
قلنا : إنّ الإيمان بالبعث والجزاء ، وهو الركن الثاني في جميع الأديان ، من لوازم الركن الأول وهو الإيمان باللّه المتصف بجميع صفات الكمال ، المنزه عن البعث في أفعاله وأحكامه ، ولهذا كان من أظهر أدلة القرآن عليه قوله بعد ذكر البعث وجزاء الكافرين في آخر سور المؤمنون :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ
[ المؤمنون : 115 ] ، وقوله في آخر سورة القيامة :
أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً
[ القيامة : 36 ] ، فكفر الإنسان بهذا الركن في أركان الإيمان يستلزم كفره بحكمة ربّه وعدله في خلقه وكفره بنعمته بخلقه في أحسن تقويم . وبتفضيله على أهل عالمه ( الأرض ) حيث سخّرها وكل ما فيها لمنافعه ، وعلى كثير ممن خلق في عالم الغيب الذي وعده بمصيره إليه ، ويستلزم جهله بما وهبه من المشاعر والقوى والعقل . وجهله بحكمته في خلقه مستعدا لما ليس له حد ونهاية من العلم . الدال على أنه خلقه لحياة لا حد لها ولا نهاية في الوجود .
ومن لوازم هذا الكفر والجهل كله احتقاره لنفسه باعتقاده أنه خلق عبثا لا لحكمة بالغة .
وأن وجوده في الأرض موقوت محدود بهذا العمر القصير المنغص بالهموم والمصائب والظلم والبغى والآثام . وأنه يترك سدى لا يجزى كل ظالم من أفراد بظلمه . وكل عادل وفاضل بعدله وفضله . وإذا كان هذا الجزاء غير مطرد في الدنيا لجميع الأفراد ، تعين أن يكون جزاء الآخرة هو المظهر الأكبر للعدل العام ، كما قال تعالى :
وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
[ آل عمران : 185 ] .
ومن أبدع أساليبه المكررة الجامعة وأروعها : المحاجة في النار بين الأتباع والمتبوعين والغاوين والمغوين والضالين والمضلين ، من شياطين الإنس والجن . وبراءة بعضهم من بعض ومنه التنادى والتحاور بين أهل الجنة وأهل النار .