الثورة والانقلاب الذي أحدثه القرآن في الأمة العربية فسائر الأمم
القرآن كتاب أنزله اللّه تعالى على قلب رجل نشأ على الفطرة البشرية سليم العقل صقيل النفس . طاهر الأخلاق ، لم تملكه تقاليد دينية ، ولا أهواء دنيوية ، لأجل إحداث ثورة وانقلاب كبير في العرب فسائر الأمم ، يكتسح من العالم الإنسانى ما دنس فطرته من رجس الشرك والوثنية . الذي هبط بهذا الإنسان من أفقه الأعلى في عالم الأرض .
إلى عبادة مثله وما هو دونه من هذه المخلوقات - وما أفسد عقله وذهب باستقلال فكره من البدع الكنسية ، والتقاليد المذهبية ، التي أحالت توحيد الأنبياء الأولين شركا ، وحقّهم باطلا ، وهدايتهم غواية - وما أفسد بأسه ، وأذل نفسه ، وسلبه إرادته ، من استبداد الملوك الظالمين ، والرؤساء القاهرين .
ثورة تحرر العقل البشرى والإرادة الإنسانية من رقّ المنتحلين لأنفسهم صفة الربوبية ، أو النيابة عن الرب الخالق تعالى في التحكم والهيمنة والسيطرة على قلوب الناس وعقولهم ، والتصرف في إرادتهم وأبدانهم وأموالهم ، فيكون بهذا العتق كل امرئ اهتدى به حرّا كريما في نفسه ، عبدا خالصا لربه وإلهه ، يوجّه قواه العقلية والبدنية إلى تكميل نفسه وجنسه . مثل هذه الثورة الإنسانية لا يمكن أن تحدث إلا على قاعدة القرآن في قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
[ الرعد : 11 ] .
وكيف يكون تغيير الأقوام لما بأنفسهم من العقائد والأخلاق والصفات الثابتة ، التي طبعتها عليها العبادات الموروثة والعادات الراسخة ؟
هل يكفى في ذلك قيام مصلح فيهم يضع لهم كتابا تعليميّا جافّا ككتب الفنون يقول فيه : إنكم أيها الناس ضالون فاسدون ، ومضلّون ومفسدون فاعملوا بهذا الكتاب تهتدوا وتصلحوا ، أو قانونا مدنيّا يقول في مقدمته : نفذوا هذا القانون تحفظ حقوقكم وتعتز أمتكم وتقوى دولتكم ؟ أنّى وقد عهد من الناس الفاسدين المفسدين سوء التصرف بكتب أنبيائهم المرسلين ، وإهمال قوانين حكمائهم المصلحين ، كما فعل أهل الملل الأولون والمسلمون المتأخرون ؟
كلا . إنما توضع القوانين للحكومات المنظمة ذات السلطان والقوة التي تكفل تنفيذها .
وأنّى لمحمّد صلّى اللّه عليه وسلم فعل هذا في الأمة العربية العاتية عن كل سيطرة ونظام وقد بعث