تعضده الأدلة ، وتؤازره البراهين . فكنى بالباسق والمقال عن هذا القول .
99 - وإخفاؤه فصل أباه وعاتنا * وكم من فتى كالمهدوي فيه أعملا
اللغة : ( الإخفاء ) : الإسرار ، وضمير ( وإخفاؤه ) : يعود على التعوذ ، و ( أبى الشيء ) :
تجنبه وامتنع من فعله . و ( الوعاة ) جمع واع كقضاة جمع قاض وهو الحافظ المدقق ، وقد جرى كثير من شراح القصيدة على أن الفاء رمز لحمزة والألف رمز لنافع . وعلى هذا يكون .
المعنى : أن حمزة ونافعا كانا يخفيان التعوذ عند قراءتهما . وممن أخذ به لحمزة مطلقا في جميع القرآن : الإمام أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي المقرئ المفسر المتوفّى سنة ثلاثين وأربعمائة ، فإنه أعمل فكره في تصحيح الإخفاء وتقريره والقراءة والإقراء به ، وروى خلف عن سليم عن حمزة أنه كان يجهر بالتعوذ في أول الفاتحة ويخفيه في سائر القرآن . وروى خلاد عن سليم أن حمزة كان يخير القارئ بين الجهر والإخفاء في التعوذ . وروى المسيبي عن نافع أنه كان يخفي التعوذ في جميع القرآن . وعلى هذا يكون قول الناظم : وإخفاؤه فصل ، في قوة الاستثناء من عموم قوله : فاستعذ جهارا من الشيطان باللّه مسجلا ؛ فإنه بعمومه يدل على الأمر بالتعوذ جهارا في جميع الأوقات ، وفي سائر القرآن ، ولجميع القراء . ولكن الصحيح :
أن لا رمز في البيت ، وأن قوله : فصل : معناه : فرق ، وأنه بيان لحكمة إخفاء التعوذ ، وهو الفرق بين القرآن وغيره ، أو معناه : أن إخفاء التعوذ حكم من أحكامه . وكيفية من كيفياته ، فكأنه قال : إخفاء التعوذ فرق بين القرآن وغيره ، أو كيفية من كيفياته ، ردّه - أي الإخفاء - علماؤنا الحفاظ الأثبات ولم يأخذوا به ، بل أخذوا بالجهر به في جميع القرآن ، ولكل القراء ، كما أفاد ذلك عموم قوله : فاستعذ جهارا من الشيطان باللّه مسجلا ؛ ذلك أن الجهر بالتعوذ إظهار لشعار القراءة كالجهر بالتلبية وتكبيرات العيد . ومن فوائد الجهر به : أن السامع للقراءة يتمكن من الإصغاء لها من أولها ، فلا يفوته شيء منها ، وإذا أخفى القارئ التعوذ فلا يعلم السامع للقراءة إلا بعد أن يفوته شيء منها . وهذا المعنى هو الفارق بين القراءة في الصلاة وخارجها فإن المستحب للقارئ في الصلاة إخفاء التعوذ وإن كان إماما وفي صلاة جهرية ؛ لأن المأموم منصت في الصلاة من أول الإحرام فلا يفوته شيء من قراءة إمامه .
وفصل الخطاب في هذا المقام أن يقال : إن التعوذ يستحب إخفاؤه في مواطن ، والجهر به في مواطن أخرى ، فمواطن الإخفاء :
( 1 ) إذا كان القارئ يقرأ سرّا ، سواء كان منفردا أم في مجلس .
( 2 ) إذا كان خاليا سواء قرأ سرّا أم جهرا .
( 3 ) إذا كان في الصلاة ، سواء كانت الصلاة سرية أم جهرية ، وسواء كان منفردا أم