هذه الآية الكريمة تقابل بين الخير والشر أو الحق والباطل أو التقوى والكفر وفق طريقة القرآن الكريم المتميّزة في التعبير ، وهي آية حافلة بالحركة والتصوير وهي قائمة على طريقة المقابلة في الأداء ، وقبل الحديث عن القيم الجمالية والتعبيرية فيها لا بدّ من الحديث عن القيم المعنوية والفكرية التي تريد الآية توصيلها عند حديثها عن الخير والشر في مثل هذه الصورة .
إن الآية الكريمة تمثّل الخير والشر ببناءين ، كلّ واحد منهما قائم على قاعدة سواء أكانت هذه القاعدة صلبة أو غير ذلك ، وكلّ بناء يمثل تصوّرا خاصا ، وموقفا واضحا من العلاقة باللّه وبشرعه ، كما أنّ الآية تريد من المستمع أو القارئ أن يوازن ويقارن بين هذين البناءين ثم يحكم على خيرية أحدهما وشريّة الآخر . وكان السؤال هل من أسس بنيانه على الإسلام خير أم من أسّس بنيانه على الشرك والنفاق « 1 » .
قال الزمخشري ( - 538 ه ) : « أفمن أسّس بنيان دينه على قاعدة قوية محكمة وهي الحق الذي هو تقوى اللّه ورسوله خير أم من أسّس بنيانه على قاعدة هي أضعف القواعد وأوهاها وأقلّها بقاء ، وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل جرف هار في قلّة الثبات والاستمساك ، ووضع شفا الجرف في مقابلة التقوى » « 2 » .
والقيمة الفكرية التي ترمي إليها هذه الآية باستخدامها طريقة التقابل بين معنيين ، كل واحد منهما يناقض الآخر ويضاده هي بيان ثبات الحق الذي هو دين الإسلام وقوته ودوامه وسعادة أهله به ، وذكر اللّه بأثر ذلك ثمرة هذا الدين في عمل أهله وهي التقوى ، وبجزائهم عليه الجنة وأعلاه رضوان اللّه تعالى ، وبيان ضعف الباطل واضمحلاله وو هيه وقرب زواله ، وخيبة صاحبه وسرعة انقطاع آماله ، وشرّ أهله المنافقين « 3 » .
هامش
( 1 ) أبو حيان الأندلسي - البحر المحيط - ج 5 - ص 506 .
( 2 ) الزمخشري - الكشاف - ج 2 - ص 312 .
( 3 ) محمد رشيد رضا - تفسير المنار - ج 11 - ص 45 .