وقد بينت الآيات حقيقة الشرك الذي وقع فيه أهل الكتاب ، وهو شرك بالأقوال والأفعال ، فأمّا شركهم في الأقوال فقول اليهود عزيز ابن اللّه ، وقول النصارى المسيح ابن اللّه ، وأما شركهم بالأفعال فاتخاذهم الأحبار والرهبان مصادر للتشريع ، والتحليل والتحريم .
وتهدف الآيات من هذا البيان تعرية الشرك وتوضيح أسبابه ، وفي مقابل ذلك تحدد خصائص الوحدانية كما أرادها التصور الإسلامي الصحيح ، وفي هذه الآيات بعض القيم المستفادة من السياق ، فمن ذلك قوله تعالى :
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ
، واتخاذ الأحبار والقساوسة أربابا لا يعني العبادة المحضة التي تجعل منهم آلهة وأصناما بل المراد كما ذكر الفخر الرازي ( 606 ه ) أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم « 1 » ، وهذا ما يسمى بحق التشريع أو الحكم الذي هو أخصّ خصائص الوحدانية ، فالتشريع هو حق للّه وحده ، أمّا إذا تعدى ذلك وأصبح في أيدي البشر فهذا هو الذي يعني اتخاذ الأرباب لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتها الجاهلية ، ولكن في صورة ادّعاء حق وضع التصورات والقيم والشرائع والقوانين والأنظمة والأوضاع بمعزل عن منهج اللّه للحياة « 2 » .
وقد جاء التعبير بطريقة المقابلة بين رؤساء الدين الذين اتخذهم أهل الكتاب أربابا وبين اللّه سبحانه وتعالى المستحق للعبادة والألوهية ، وهذه المقابلة تهدف إلى بطلان الباطل الذي هم عليه بعد هذا الصنيع ، وبيان أن التشريع والحكم حقان للّه وحده قال تعالى :
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
[ التوبة : 31 ] .
وقال تعالى :
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ
[ التوبة : 32 ] .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي - ج 16 ص 37 .
( 2 ) سيد قطب - معالم في الطريق - ص 10 .