تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقابلة في القرآن الكريم — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
وحين يقرّر الدارسون بأنّ طريقة القرآن في العرض لا تشبهها طريقة من طرق البشر فذلك راجع إلى الخصائص الإلهية للقرآن التي جاءت بأوضح المناهج ، وأفضل الطرق في الاستدلال والإقناع ، فطريقة القرآن تخاطب العقل والعاطفة وتدخل إلى النفس البشرية من جميع المنافذ ، ومن هنا لم يكن عرض القرآن لقضية الوحدانية عرضا تجريديا بحتا ، بل كان عرضا بديعا يجمع بين قوة الفكرة ، وجمال التعبير ، ودقة العبارة ، وجمال التصوير ، كل ذلك لتلبية حاجات النفوس إلى الإقناع والإمتاع . إنّ أقرب الطرق إلى النفس البشرية مخاطبة الحس والوجدان ، والعقل والضمير ، ومن هنا حرص القرآن الكريم على عرض فكرة الوحدانية من مشاهد الكون ، وعظمة الخلق والتدبير ، و « حرص على تجلية هذه الحقيقة بآثارها الفاعلة في هذا الوجود في تصريف هذا الكون وما فيه ومن فيه ، في تسخير الليل والنهار ، والشمس والقمر والنجوم ، في إيلاج الليل في النّهار ، وإيلاج النّهار في الليل ، وفي إرسال الرياح لواقح ، وإنزال الماء من السماء ، في انبثاق الميت من الحيّ ، في بدء الخلق وإعادته ، في القبض والبسط ، في البعث والنشور ، في النعمة والنقمة ، في الجزاء والحساب ، في النعيم والثواب ، في كل حركة ، في كل تغيّر وكل تحوّر في عالم الغيب أو في عالم الشهادة في هذا الوجود الكبير ، ونادرا ما يتحدث المنهج القرآني عن الذات الإلهية ، والصفات في الصورة التجريدية التي تتحدث بها الفلسفة واللاهوت وعلم الكلام » « 1 » . ومعظم النصوص القرآنية الواردة في تعريف الناس باللّه تتضمن الكثير من الحقائق عن الكون والحياة والإنسان ، ولم تكن غايتها تناول هذه المعارف تناول الفلك والحساب والعلوم الكونية والإنسانية ، بل كان عرضها لتكون دليلا واضحا لا يقبل شكا ولا ريبا على عظمة اللّه سبحانه الذي خلقها وأبدعها في أحسن صورة « 2 » .
هامش
( 1 ) سيد قطب - مقومات التصور الإسلامي - ص 42 . ( 2 ) حسن البنا - نظرات في القرآن - ص 21 .
المقابلة في القرآن الكريم — صفحة 45 | بن عيسى باطاهر