ثانيا : ما دام القرآن يدعو إلى التفكير ، ويحضّ على النظر ، ويوجب الاستدلال ، كان هذا الدين دين العلم ، ودين الثقافة والحضارة ، وقد ذكرنا في موضوع « العلم والجهل » أنّ الآيات القرآنية تفاضل بين العلم والجهل ، وتعطي للعلم مكانة عالية وتحذر من الجهل وأسبابه ، قال تعالى :
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
[ الزمر : 9 ] ، وطلب العلم يقتضي البحث والنظر والاجتهاد وبذل الوسع في طلب الحقيقة .
ثالثا : وما دام القرآن الكريم قد عدّ الشريعة التي جاء بها عامة إلى كلّ الناس ، وخاتمة لكلّ الأديان ، وكانت النصوص التي جاء بها متناهية والحوادث غير متناهية ، ناسب هذا أن يجعل العقل مناطا للتكليف ، ووسيلة من الوسائل التي تضبط هذه الشريعة ، وتجعلها صالحة لكل زمان ومكان ، وكان الاجتهاد فريضة محكمة ، ووسيلة هامة من الوسائل التي تكشف عن أحكام اللّه في أفعال عباده « 1 » ودليل هذا قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
[ النساء : 59 ] .
فإنّ المراد بطاعة اللّه ورسوله « اتباع ما علم من نصوص الكتاب والسنة ، أما الردّ إلى اللّه ورسوله عند التنازع فالمراد منه التحذير من اتباع الهوى ، ووجوب الرجوع إلى ما شرع اللّه ورسوله بالبحث عمّا قد يكون خافيا أو غائبا عن البال من النصوص ، أو بتطبيق القواعد العامة بإلحاق الشبيه بشبيهه ، أو التوجه إلى تحقيق المقاصد التي اعتبرها الشارع ، فكلّ هذا ردّ إلى اللّه ورسوله » « 2 » .
رابعا : وقال تعالى :
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا
[ الإسراء : 36 ] .
هامش
( 1 ) محمد الدسوقي - الاجتهاد والتقليد في الشريعة الإسلامية - ص 36 .
( 2 ) محمد الدسوقي - الاجتهاد والتقليد في الشريعة الإسلامية - ص 37 .