ومبني كذلك على قدرة العقل على إثبات الحقائق بالبرهان ، كقوانين الرياضيات ، وكاليقين العقلي الجازم بحتمية وجود الخالق ، إلى آخر الحقائق الدينية والكونية العقلية كوحدانية الخالق في خلقه ، وأبديته في ذاته ، وحتمية إحاطة علمه وقدرته بكل شيء ، وكعدله ورحمته .
وهذا النوع من « العلم » هو المراد في قوله تعالى :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
[ آل عمران : 18 ] .
وفي قوله تعالى :
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
[ آل عمران :
7 ] .
و « هذا النوع من العلم هو أعظم مقامات الإنسان ، لأنه يجعله شاهدا - مع اللّه الكبير المتعالي ، ومع ملئه الأعلى على أعظم حقيقة عقلية ودينية وكونية وهي وحدانية اللّه تعالى ، وقيّوميته على الوجود كلّه بالقسط ، وعلى عزّته وقوّته وحكمته » « 1 » ، « فالراسخون في العلم الذين بلغ من علمهم أن يعرفوا مجال العقل ، وطبيعة التفكير البشري ، وحدود المجال الذي يملك العمل فيه بوسائله الممنوحة ، أما هؤلاء فيقولون في طمأنينة وثقة
آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
( 7 ) [ آل عمران : 7 ] ، وهم يطمئنون إليه بفطرتهم الصادقة الواصلة ، ثمّ لا يجدون من عقولهم شكا فيه كذلك ، لأنهم يدركون أنّ من العلم ألا يخوض العقل فيما لا مجال فيه للعلم ، وفيما لا تؤهله وسائله وأدواته الإنسانية لعلمه » « 2 » .
الثاني : هو العلم المبني على التجارب الحسية في الطبيعة ، وعلى النظر والتأمل في كلّ ما خلق ، وعلى استخلاص قوانين التكوين والهدم والتسخير لقوى الطبيعة « 3 » ، وهو المستفاد من قوله تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
( 28 ) [ فاطر : 28 ] .
هامش
( 1 ) العلم والإيمان في الإسلام - لمجموعة من المؤلفين - ص 87 ، 88 .
( 2 ) سيد قطب - في ظلال القرآن - ج 1 - ص 37 .
( 3 ) العلم والإيمان في الإسلام - مجموعة من المؤلفين - ص 88 .