تستوجب المكافحة والعلاج ، ويبيّن أنّ علاجه مستطاع وليس محاربة للقدر ولا للإرادة الإلهية ، وهو يرفض نظرة الذين يقدّسون الفقر ، ويرحّبون بمقدمه ، ويعدّون الغنى ذنبا عجلت عقوبته . ويرفض نظرة الذين يعدّون الفقر قدرا محتوما لا مفرّ منه ، ولا علاج له إلا الرضا والقناعة ، ويرفض نظرة الذين يقتصرون في علاج الفقر على جانب الإحسان والتصدق الاختياري وحده ، وهو كذلك ينكر نظرة الرأسمالية المطلقة إلى الفقراء وحقوقهم على الأغنياء وعلى الدولة ، ويتجاوز بعلاجه الترقيعات التي أدخلتها الرأسمالية المعدلة وما شابهها من أنظمة . كما يرفض بشدة نظرة الذين يحاربون الغنى وإن كان مشروعا ، والملكية وإن كانت حلالا ، ويرون علاج الفقر في تحطيم طبقة الأغنياء ، وإيقاد تنّور الصراع بينهم وبين الفقراء ، وسائر الطبقات الأخرى » « 1 » .
إن القرآن الكريم جاء بمنهج الوسطية والعدل في كل شيء ، وهو في هذه القضية بالذات يرى أن الغنى نعمة يمتن بها اللّه على عباده ، ويطالب بشكرها ، وأداء حقها ، قال تعالى :
وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى
[ الضحى : 8 ] ، وقال تعالى :
وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
[ التوبة : 28 ] .
ففي الآية الأولى امتنان من اللّه تعالى على رسوله بالغنى بعد الفقر والغنى كي يستغني عن الناس في مشاق الدعوة وتكاليف الجهاد ، وفي الآية الثانية وعد من اللّه للمؤمنين بالغنى بعد الفقر إن هم أطاعوه وامتثلوا لأوامره ، وفي هاتين الآيتين وغيرهما من الآيات ما يفيد بأن القرآن يرى في الغنى نعمة من اللّه سبحانه ، يجب على المرء أن يسعى إليه ويطلبه ، وفي النصوص الإسلامية ما يفيد ذلك ، قال تعالى :
فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
[ الجمعة : 8 ] .
هامش
( 1 ) يوسف القرضاوي - مشكلة الفقر كيف عالجها الإسلام - ص 40 - 41 .