والسمن ولبن مأكول اللحم وبيضه وغير ذلك من المطعومات وكذلك الكلام والنظر والمشي وغير ذلك من التصرفات فيها حلال بيّن واضح لا شكّ في حلّه ، وأما الحرام البيّن فكالخمر والخنزير والميتة والبول والدم المسفوح وكذلك الزنا والكذب والغيبة والنميمة والنظر إلى الأجنبية وأشباه ذلك ، وأما المشتبهات فمعناه أنها ليست بواضحة الحلّ والحرمة ، فلهذا لا يعرفها كثير من الناس ولا يعلمون حكمها ، وأما العلماء فيعرفون حكمها بنص أو قياس أو استصحاب أو غير ذلك ، فإذا تردّد الشيء بين الحلّ والحرمة ، ولم يكن فيه نص ولا إجماع اجتهد فيه المجتهد فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي » « 1 » .
وقد استفاد الغزالي من هذا الحديث بأن هناك حلالا مطلقا وحراما محضا ، « فالحلال المطلق هو الذي خلا عن ذاته الصفات الموجبة للتحريم في عينه ، وانحلّ عن أسبابه ما تطرق إليه تحريم أو كراهية ، ومثاله الماء الذي يأخذه الإنسان من المطر قبل أن يقع على ملك أحد ، ويكون هو واقفا عند جمعه ، وأخذه من الهواء في ملك نفسه ، أو في أرض مباحة .
وأما الحرام المحض فهو ما فيه صفة محرّمة لا يشكّ فيها ، كالشدة المطربة في الخمر ، والنجاسة في البول ، أو حصل بسبب منهي عنه قطعا كالمحصّل بالظلم والربا ونظائره فهذان طرفان ظاهران « 2 » .
إنّ التضاد والتقابل في مجال الحلال والحرام هو الذي يكوّن عناصر الحياة ، ولهذا علاقة بإرادة اللّه في الخلق منذ التكوين الأول ، وقد شاءت إرادته أن يكون الصراع بين الإنسان والشيطان ، بين الحق والباطل ، بين ما هو حلال وما هو حرام . كل ذلك للابتلاء ولتمييز الخبيث من الطيب وليكون الجزاء مناسبا للطريق الذي تختاره النفس البشرية .
هامش
( 1 ) النووي - صحيح مسلم بشرح النووي - ط 3 دار إحياء التراث العربي : بيروت 1984 م ج 11 - ص 27 - 28 .
( 2 ) الحلال والحرام - ص 32 .