تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدخل لدراسة القرآن الكريم — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
( 14 ) فلا سباب فيه ولا عنف وكل ما فيه إخبار من الحق عز شأنه ، بأن عادا وثمود وفرعون لما طغوا في البلاد وظلموا العباد وأكثروا من الفساد أنزل اللّه بهم العقاب جزاء لهم على ظلمهم وإفسادهم ، فالمراد بصب السوط إنزال العقوبة الشديدة بهم ، وهو من المجازات البديعة ، ومعنى
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
( 14 ) أنه القائم بتدبير الأمور الرقيب على عباده لا يفوته من شؤونهم شيء وهو مجازي كل عامل بعمله فلا يفلت منه أحد ، فلا يظن أهل الطغيان الذين يفسدون في الأرض أن يفلتوا من اللّه وعقابه ، وفي هذا الإخبار تحذير للموجودين والمخاطبين أن يفعلوا مثل ما فعلوا فيعاقبوا مثل ما عوقبوا ، فانظر - أيها القارئ الفطن - كيف اشتملت هاتان الآيتان على وجازتهما على هذه المعاني الثرية والتحذيرات النافعة المفيدة . وأما سورة « ألهاكم التكاثر » فغاية ما فيها أن يترك الناس التفاخر بالأحساب والأنساب والتكاثر بالأموال والأولاد والتلهي بما لا يفيد وأن يقبلوا على الاشتغال بما ينفع من الإيمان والعمل الصالح ، أما التلهي بالتكاثر والتفاخر فلن يكون من ورائه إلا خسران الدنيا والآخرة ، فلا عجب أن يردعهم اللّه ، وأن يكرر الردع والزجر فقال :
كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 3 ) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
( 4 ) ، ولو علم اللاهون المتكاثرون علم اليقين لأعرضوا عما فيهم ، وأقبلوا على الأعمال الصالحة ؛ لأنهم سيرجعون إليه في يوم يحاسبون فيه ويجازون على أعمالهم ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر
كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ( 5 ) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ( 6 ) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ ( 7 ) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ
( 8 ) فالسورة لا تخرج عن كونها وعيدا وتحذيرا وإرشادا وتعليما .

الشبهة الثالثة

قال : إن القسم المكي يمتاز بالهروب من المناقشة ، وبالخلو من المنطق والبراهين ، فيقول :
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ( 1 ) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ
( 2 ) إلى
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ
( 6 ) بخلاف القسم المدني فهو يناقش الخصوم بالحجة الهادئة والبرهان الساكن الرزين ، فيقول :
لَوْ كانَ فِيهِما
المدخل لدراسة القرآن الكريم — صفحة 239 | محمد بن محمد ابو شهبة