تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدخل إلى علوم القرآن الكريم — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
ولو كان الوحي كذلك لما استطاع محمد في تلك اللحظات الشديدة المرهقة الثقيلة أن يتلو كلاما في أعلى درجات الفصاحة وأسمى أساليب البيان ، متضمنا حكما عميقة ، وحافلا بأخبار الأمم السابقة ، ومتكاملا في معانيه وأفكاره . إن ما نزل على « محمد » لم يكن أمرا مألوفا لدى قومه ، ولو كان مما ألفوه في حالات بشرية مماثلة لما انصرفوا إلى محاربة « محمد » ، ولما طاردوا أتباعه وأنصاره ، ولما آمنوا به من بعد ، لا شك أن الوحي كان مما اعترف العرب بصدقه ، وأدركوا أنه منهج الأنبياء ، وهم لم ينكروا الوحي فقد كانت قلوبهم مؤمنة بصدق محمد ، وإنما أنكروا ما تضمنته الدعوة الدينية من إدانة ما كانوا قد ألفوه من عقائد وعادات وقيم ومعاملات ، فالدعوة التي جاء بها محمد كانت تبشر بعالم جديد ، وتنادي بإقامة مجتمع على أسس جديدة ، لا تفاضل بين أفراده بسبب المال أو النسب أو المنزلة الاجتماعية ، وإنما يقع التفاضل بالتقوى ، والتقوى خلق لا يحسنه الأقوياء ولا يلتزم به معظم الأغنياء ، ولا يألفه الطغاة ممن استكبروا في الأرض بغير الحق ، وأقاموا سياجا من القيم الفاسدة تحمي نفوذهم وتبرز مظالمهم . وجاء الوحي على مراحل ، ووصفت السيدة عائشة رضي اللّه عنها كيف بدأ الوحي ، وقبل الوحي كانت الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء ، وكان يخلو بغار حراء ، فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد ، وفي غار حراء جاءه الحق ، ملك يخاطبه لأول مرة . - اقرأ . . . . قال : ما أنا بقارئ ، أخذه فغطه حتى بلغ منه الجهد ثم أرسله . - اقرأ . . . قال : ما أنا بقارئ ، أخذه فغطه الثانية حتى بلغ منه الجهد ثم أرسله . - اقرأ . . . قال : ما أنا بقارئ . . أخذه فغطه الثالثة ثم أرسله . - فقال :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
[ سورة العلق ] . ورجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يرجف فؤاده ، ودخل على خديجة بنت خويلد ، قال