ونذكر سببا ثالثا لقيمة الكتاب ، وهو أن موضوع النقط والشكل قد أهمل مع الزمن شيئا فشيئا ، ثم نسي نسيانا يكاد يكون تاما في عهود انحطاط الحضارة العربية . وضاعت أغلب الكتب المؤلفة فيه ، ولا سيما الأصول الأولى منها ، فلم يبق منها شيء . ولم يتنبه الدارسون ، في العصر الحديث ، إلى قيمة موضوع النقط والشكل ومقدار فائدته في دراسة اللغة العربية ونحوها وكتابتها . وذلك لفقدان الكتب والأصول الأولى المؤلفة في هذا الموضوع ، ولظن بعضهم أن موضوع النقط والشكل أمر هين لا جدوى له إلا في ضبط القراءة في صحف القرآن .
والحق أن لموضوع النقط والشكل شأنا خطيرا ؛ لأنه يكشف بعض النواحي التي كان يحوطها الغموض في مسألة نشأة الكتابة العربية والنحو العربي ، ويبين لنا مراحل تطورهما في الأدوار الأولى بصورة خاصة . ومن هنا كان لكتاب أبي عمرو الداني في النقط قيمة عظيمة ؛ لأنه يفسح أمام الدار سين والباحثين مجالا رحبا في موضوعات اللغة وكتابتها ونحوها . فاللغويون والنحويون والذين يهتمون بموضوع الكتابة العربية سيجدون في هذا الكتاب أشياء كثيرة تفيدهم في دراساتهم وأبحاثهم .
كما يجد المعنيون بإصلاح الكتابة العربية وتيسيرها فيه أمورا تسدّد خطواتهم ، وتقوّم محاولاتهم . والكتاب بعد كتاب في القراءة ، وهو بهذا المعنى سيكون عونا وذخرا للذين يشتغلون بموضوع القراءات .
ولا أريد الإطالة في الكلام على الكتاب وعلى موضوعه وأبوابه مفصّلا .
بل حسبي أن أخرج الكتاب محقّقا محرّرا ، ثم أتركه بين أيدي القراء والباحثين يصفحون أوراقه وينظرون فيها ، ثم يقرءونه بعد ذلك باحثين منقّبين . وأنا ضامن لهم أنهم سيجدون فيه أشياء ذات قيمة وخطر ، تنفعهم في أعمالهم كثيرا .
المحكم في نقط المصاحف — صفحة المقدمة 21
مساهمون: أبو عمرو الداني
صالمقدمة ٢١