له إلا أن ينتهي إلى ما روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم في ذلك ، . ومنهم من قال :
يجوز تفسيره لمن كان جامعا للعلوم التي يحتاج إليها المفسر « 1 » .
والرأي الأول يقضي بأن يكون التفسير توقيفيا يختص بالنقل عن الأثر النبوي ، وهذا يعني حجز الفكر ، وإيقاف عملية الاستنباط ، وهو معارض بالأثر نفسه ، قال ابن مسعود : « من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن » « 2 » .
وتثوير القرآن يعني التدبر فيه والتنقير عن معارفه ، وفي هذا دعوة إلى الجد والاجتهاد وإعمال الفكر ، وجميعها من غير المأثور ، وقد ورد عن أبي الدرداء أنه قال : « لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يجعل للقرآن وجوها » « 3 » .
وبديهي أن استخراج وجوه القرآن لا يتوقف على الأثر وحده بل يشاركه فيه العلم والاستنباط مشاركة ظاهرة . وفي قوله تعالى :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
« 4 » دلالة أكيدة على أصالة المذهب فيما نص عليه صاحب الرسالة ، أو ما أقره وهو المعمول به فلا تجوز معارضته ومناقشته إذ لا اجتهاد في مقابل النص ، وما لم يرد به بيان أو إشارة عنه أو عن أهل بيته ، وهم عدل القرآن ، ففيه الاجتهاد وإجالة النظر ، وحسن التفكر وهو مضمار العلماء مع تكامل أداة التفسير ، ولهذا فإننا نميل إلى الرأي القائل بجواز تفسيره لمن أحاط بجملة من العلوم العامة التي تمهد السبيل أمام التفسير .
الرأي الثاني : وهو القائل بجواز تفسير القرآن مع ملكة الفنون ، وقد ذهب إليه جملة من الأوائل . قال الزركشي « الذي يجب على المفسر البدء به : العلوم اللفظية ، وأول ما يجب البدء به منها تحقيق الألفاظ المفردة ، فتحصيل معاني المفردات من ألفاظ القرآن من أوائل المعادن لمن يريد أن يدرك معانية » « 5 » .
هامش
( 1 ) ظ : السيوطي ، الاتقان : 4 / 185 .
( 2 ) ابن الأثير ، النهاية : 1 / 229 .
( 3 ) السيوطي ، الاتقان : 4 / 197 .
( 4 ) النحل : 44 .
( 5 ) الزركشي ، البرهان : 2 / 173 .