الثالث : إن ادعاء فرعون بأن موسى لا يبين ولا يفصح ، لا يتم له من ناحيتين : فنية وتأريخية .
الناحية الفنية : أن يكاد إذا سبقت بنفي كانت أداة للاثبات لا للنفي كما يتخيل فرعون ، فموسى يبين ويفصح مع هذا الملحظ النحوي الدقيق .
الناحية التأريخية : إن هذا الحديث عن موسى عليه السّلام إنما يصح فيما مضى من تأريخ حياته قبل بعثته وقبل خروجه من مصر لا بعد عودته إليها ، وما إثارة هذه الشبهة من قبل فرعون إلا للتغرير بالجهلة ، وذلك أن موسى عليه السّلام عند بعثته نبيا ، وإرساله إلى فرعون من قبل اللّه تعالى ، طلب من اللّه بصريح العبارة فك حبسة لسانه ، وقد استجاب اللّه له ذلك ، فحينما دعا ربه فيما حكاه تعالى عنه :
قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ( 25 ) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ( 26 ) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي ( 27 ) يَفْقَهُوا قَوْلِي ( 28 )
« 1 » .
وإذا بالاستجابة تفتح أبوابها من لدن سميع الدعاء فيما حكاه :
قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى ( 36 )
« 2 » .
فهي شبهة مفندة تأريخيا ، إذ حلت العقدة من لسان موسى قبل مقابلة فرعون ، وحديثه مع فرعون بعد عودته إلى مصر رسولا .
ومع دفع ما تقدم ، يبقى فرعون ملقنا قومه بأنه خير من موسى ، فيثني عليه بشبهة أخرى ، واعتراض رجراج جديد :
فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ( 53 )
.
والشبهة أنهم كانوا إذا سودوا رجلا سوروه بسوارين وطوقوه بطوق من ذهب لسؤدده « 3 » .
وفرعون بهذا يكني عن طريقة تملكه إن كان صادقا فيما يدعيه ، بينما لم يدع موسى الملك ولا السلطة ، بل ادعى النبوة والرسالة ، وإذا كان الملك يتطلب أسورة من ذهب ، فإن النبوة لا تتطلب ذلك ، بل تتطلب
هامش
( 1 ) طه : 25 - 28 .
( 2 ) طه : 36 .
( 3 ) الآلوسي ، روح المعاني : 25 / 90 .