وقد صحح خطأه وأصلح فاسده معاصره الأخفش سعيد بن مسعدة « 1 » ، وقد تعقبه ابن قتيبة بإصلاح أغلاطه كما ادعى « 2 » .
وهكذا شأن كل ما هو أصيل ومبتكر ، نجد أن أبا عبيدة قد فتح منافذ على البحث القرآني منها ما يتصل بطريقة التعبير ، ومنها ما يتصل بغريب لفظه المفرد ، ثم منها ما يتصل بالبحث اللغوي الخالص كظاهرة الاضداد في اللغة « 3 » .
وأما أبو إسحاق الزجاج ( ت : 311 ه ) فقد عرض في كتابه : ( معاني القرآن ) التفسير النقلي ، ولكنه ابتنى على التفسير اللغوي أغلب فصوله ، فأولى لذلك الأهمية الكبرى ، وبين أمام آرائه الدليل من كلام العرب وأساليبهم ، افتن في تخير ذلك مؤكدا على نظرته إلى التعبير القرآني في ملاءمته للبيئة العربية ، كما يناقش من ألفوا قبله كأبي عبيدة والفراء ، ويخلص من وراء ذلك إلى اثبات الاعجاز القرآني عن طريق الاسرار الجمالية ، وقد اثنى عليه الزركشي فقال : « ومعاني القرآن للزجاج لم يصنف مثله » « 4 » .
وأما ابن قتيبة فيمكن أن يلحق بهؤلاء في حدود معينة ، وهي تناوله للألفاظ ، والنغم الموسيقى وتآلف الحروف ، وبحث الفواصل وانسجامها مما يعتبر بحثا بلاغيا أحيانا ، والحق أنه استدرج كثيرا من الفنون البلاغية والتفسير البياني للقرآن .
وهناك ما يلحق فنا بهذا المنهج وهو الترتيب المعجمي لتفسير لغة مفردات القرآن الكريم وقد برع في هذا وأجاد الراغب الاصفهاني ( ت :
502 ه ) في كتابه : المفردات ، إذ تتبع أغلب ألفاظ القرآن الكريم ، ورتبها على الطريقة الحديثة في تنسيق المعاجيم ( الألف باء ) . وقد قام بعمل جليل يكاد لم يسبق إليه في بابه ، فأنت تنظر أول الكلمة في أصلها لتبحث عن
هامش
( 1 ) ظ : القفطي ، انباه الرواة .
( 2 ) ظ : حاجي خليفة ، كصف الظنون : 1 / 112 .
( 3 ) مصطفى الصاوي ، الجويني ، ناهج في التفسير : 84 - 85 .
( 4 ) الزركشي ، البرهان : 2 / 147 .