تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
وكلا المفهومين ظاهر في قوله تعالى :
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ( 51 ) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
( 52 ) ( الشورى : 51 - 52 ) ؛ مهمة هذه الروح - هكذا فهمها الكاتب - أنها تعمل كوسيط في نقل الوحي ؛ وهذا المعنى يتضح أكثر في قول اللّه :
وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 192 ) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( 194 ) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
( 195 ) ( الشعراء : 192 - 195 ) ؛ وقوله :
قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ
( 102 ) ( النحل : 102 ) . إن الآيات المدنية التي نزلت في أول العهد المدني وفي وقت مبكر منه ، يظهر فيها - ولأول مرة - جبريل كوسيط عن اللّه ، في نقل القرآن إلى النبي محمد ؛ كما في قوله :
قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ
( 97 ) ( البقرة : 97 ) . يزعم الكاتب أنه بناء على اشتمال هذه الآية على عدد من المسائل المضمنة في الأحاديث ، حدد المفسرون معنى الروح المذكور في الآيات السابقة ، والتي هي أسبق نزولا ، على أنها هي جبريل عليه السلام ؛ ثم أعطى المفسرون لجبريل دور الوسيط في نقل الوحي ، ومن أجل هذا بوّءوه مكانة عالية ، منذ ابتدأت نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ هذا على الرغم من أن جبريل - وذلك عكس الاعتقاد العام للمسلمين - لم تتحدد طبيعته البتّة في القرآن كواحد من الملائكة ؛ أضف إلى ذلك أن الملائكة لم تظهر في القرآن على أنهم وسطاء في نقل الوحي . والآية التي يستشهد بها الكاتب على هذا ، هي
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ
( 2 ) ( النحل : 2 ) . وهذه هي أقرب آية في القرآن لتأكيد فرضية الكاتب من وجهة نظره ؛ فالملائكة ، إذن ، ليسوا من حملة الوحي ؛ بل إنهم يتكلمون في القرآن ، كما يتكلم محمد ، وإبراهيم ، وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام :
وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ
( مريم : 64 ) ، الحقيقة أن الأمر بسيط ، ولكن الكاتب هو الذي يريد أن يعقّده من خلال فرضياته وتخميناته .