تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩

تمهيد

في هذا الموضوع من البحث يستعرض الكاتب سلسلة الأحداث التاريخية والتسلسل الزمنى لآيات القرآن كما وردت في الكتاب العزيز نصا أو إشارة وكما فهمها علماء الإسلام والمستشرقون . يقول ويلش : " هذا الموضوع صعب وشائك ولا يمكن أن نخرج منه بقائمة مفصلة ودقيقة لأوقات النزول ، وتواريخ الآيات والسور وذلك لأن القرآن ليس كتاب تاريخ أو سجلا يوميا للإحداث التي شاهدت نزوله " . هذا الجانب من العلم التفصيلي يطلب من السّنة لا من القرآن ، إذ يكمن اهتمام القرآن في الحوادث نفسها التي تؤثر في البشر وبالأفعال والأقوال البشرية التي تؤثر في التاريخ بمعناه الدقيق . توجد في القرآن إشارات عامة أو خاصة إلى أحداث تاريخية معروفة سواء كانت قد وقعت في الماضي ، أو في حاضر القرآن ، ولكن يظل القرآن مع هذا ، كتاب عقيدة وشريعة ، وقواعد وسلوك ، وأخلاق ومعاملات ، ودستور واجتماع ، واقتصاد وعلاقات وصلات إنسانية على مستوى الجماعة المؤمنة والدولة الإسلامية الكبرى ، وكذلك على مستوى الإنسانية كلها والمجتمع الدولى بأكمله ؛ وذلك لأن القرآن يتوجه بخطابه ودعوته إلى عموم البشر من حيث البلاغ ، وإلى عموم جماعة المؤمنين من حيث التكليف . ليس في القرآن تلك التفاصيل التاريخية المذكورة في كتب اليهود ، والتي جعلتها لا تعدو غالبا أن تكون كتبا قومية أو سجلا يوميا لشعب معين ، تحمل تواريخه ، وأسماء قبائله وتحركاتهم في حلّهم وترحالهم وحروبهم وصراعاتهم ؛ أراد اليهود الذين كتبوا هذه الكتب أن يجعلوا تاريخ اليهود كله ، تاريخا دينيا يحصر اهتمام اللّه فيهم وحدهم ، وتصور اللّه تعالى أنه لا يقيم أي علاقة بعباده إلّا على أساس علاقتهم باليهود . . . إلخ ؛ ولما كانت كتب اليهود كذلك فإنها عندما خضعت للفحص النقدى والمراجعة التاريخية ظهرت فيها الأخطاء والمخالفات والتناقضات العديدة . ولقد أخطأ المستشرقون خطأ ذريعا عندما استعملوا المعايير النقدية التي طبقوها على كتب العهد القديم ، والعهد الجديد نفسها ، على القرآن ؛ متجاهلين كل هذه الخصائص التي تميز القرآن عن جميع هذه الكتب ، والتي ألمحنا إليها هنا وهناك في ثنايا هذا الكتاب . ينبغي أن ندرك تماما أن ميزان البهار لا يصلح في تقدير قيمة النّضار . ذكر القرآن الكريم أن اللّه أنزل هذا الوحي على محمد صلى اللّه عليه وسلم مفرقا ليكون أدعى لتثبيته صلى اللّه عليه وسلم بدوام تلقيه