هيرشفيلد ونشره في كتاب له . ولكن صاحب الرأي الأول - أعنى نولدكه - لم يلبث أن غير رأيه وتبنى رأيا آخر بدلا منه كما سنذكره فيما بعد . ولكن قبل أن نطرح الرأي الآخر مشفوعا بمحاولة صاحبه في التدليل عليه نود أن نبين تهافت رأى نولدكه وهيرشفيلد ، إنهما يدعيان أن هذه الحروف يرمز بها إلى أسماء الأشخاص الذين كانوا يمتلكون المخطوطات التي اعتمد عليها زيد بن ثابت في جمع القرآن .
وهذا مردود لعدة أمور ، منها :
أولا : أن زيدا كان يجمع القرآن ليس من نسخ كاملة ، وإنما من مواد مختلفة كالعظام والجريد واللخاف والقباطي . . . إلخ ؛ فأي ورقة أو أي جريدة أو أي عظمة يا ترى كانت تحمل هذه الحروف ؟
ثانيا : إننا لم نسمع عن شئ كهذا من قبل ولا قرأناه في المصادر التي بين أيدينا التي حملت إلينا التفاصيل المتصلة بجمع القرآن ، حتى تلك الروايات الضعيفة التي أولع جامعوها بإثبات بعض الروايات الغريبة والمتناقضة لم تذكر شيئا كذلك لا تصريحا ولا تلميحا .
ثالثا : لما ذا وضعت هذه الحروف في أوائل هذه السور المعروفة بعينها وليس في غيرها ؟
ولما ذا كانت لهذا العدد من السور بالتحديد ؟ ولما ذا لم تأت في سورة متتالية وليست متقطعة ؟
رابعا : وليس أقل أهمية من ذلك أن وضع الحروف المقطعة بهيئاتها التي هي عليها لا يتطابق مع الأسماء التي اقترحها المستشرق ؟ فمثلا " الزبير " لا يرمز له ب " الر " ، كذلك الحال بالنسبة للأسماء الأخرى التي حملها عليها ، والحروف التي اقترحها لها ، لذلك وجدنا ويلش يضع حرف (
Z
) بين قوسين هكذا بدلا من حرف (
R
) الذي وضعه نولدكه وهيرشفيلد في دعوى أن الحروف " الر " ترمز إلى " الزبير " ؛ ثم إن الأسماء التي اقترحها المستشرقون لم تكن معروفة بحيازة مصاحف . هذا في الوقت الذي أهمل فيه هؤلاء المستشرقون ذكر أشهر المصحفيين والقرآنيين كعبد اللّه بن مسعود وعلي بن أبي طالب وأبي بن كعب وغيرهم .
خامسا : ليس من عادة العرب استعمال مثل هذه الطريقة في توثيق أشعارهم أو خطبهم .
لقد تبين من هذا العرض عدم فاعلية سلاح الاستشراق في معركته ضد القرآن ؛ لذا فقد فكر ويلش في أن يستعمل سلاحا آخر غيره . وعلى الرغم من ضعف نظرية نولدكه ، فإنها للأسف قد وجدت ترحيبا كبيرا في الأوساط الاستشراقية وظلت هي السائدة في الكتابات