وعلى هذا يمكن أن نقول إن هذه الحروف المنزلة يصح أن نعتبرها دلالات على اللغة الإلهية الأم التي علمها اللّه تعالى لآدم عليه السلام ، والتي تفرعت عنها جميع اللغات في العالم ، وكما أن آدم هو أصل الجنس البشرى ، الذي اختلف لونه ولسانه ، ولكنه ينتمي إلى أصل واحد هو آدم ؛ والحروف المقطعة وإن خفي عنا معناها ، فإن كلّ حرف منها محمل بطاقة هائلة من المعاني الربانية والألطاف الروحانية ، ولا يدركها ، ولا يشعر بها إلا أولو النهى والبصائر ؛ تأتى هذه الحروف في ابتداء تسع وعشرين سورة من سور القرآن بعد الفاتحة ، وتسمى هذه الحروف أحيانا ، بأوائل السور ، وأحيانا بفواتح السور ، وأخرى بالحروف المقطعة ؛ وذلك لأنها لا تأتى إلا في أوائل السور فقط ؛ وقد عرفت هذه الحروف في اللغات الأوروبية ، بصفة عامة ، بالحروف الغامضة أو الملغزة ؛ وهذا التعبير الأخير هو الذي اختاره الكاتب ويلش عنوانا لهذا الموضوع .
والحروف المقطعة متنوعة بين الحرف ، والحرفين ، والثلاث ، والأربع ، والخمس ؛ يقول ويلش " لأربعة عشر قرنا ظلت هذه الحروف موضع غموض وحيرة لعلماء المسلمين ، إذ يرى بعض العلماء أن فيها اختصارا لعبارات ما ، على سبيل المثال " الر " ، اختصار للرحمن ، " ألم " للرحيم ، " حم " للرحمن الرحيم ، " ص " صادي يا محمد ، " يس " يا سيد المرسلين . . . الخ .
وروى عكرمة وغيره عن ابن عباس أن " الر " ، و " حم " ، و " ن " معا رموز لقوله :
" الرحمن " ، استعرض الكاتب آراء العلماء الاجتهادية في معنى هذه الحروف ، كما أوردها السيوطي ؛ واعتمد ويلش ما قرره الأخير بأن علم هذه الحروف غير معروف حق المعرفة إلا للّه تعالى . وسوف نستعرض هذه الآراء وغيرها مما لم يقف عليه الكاتب من أسرارها ومعانيها ، أو ما رأى هو الاستغناء عنه على الرغم من أهميته للبحث .
ومن المفيد أن نشير هنا إلى أن فواتح السور قد كتبت على صورة الحروف أنفسها ، لا على صورة النطق بها ، فلم تكتب مثلا " ن " صوتيا هكذا " نون " ولم تكتب " ألم " بحسب نطقنا لها " ألف لام ميم " وقطعت
حم ( 1 ) عسق
( 2 ) ولم تقطع
المص
و
كهيعص
« 1 » وذلك إما لسر يعلمه اللّه ، وإما لشهرتها وقراءتها توقيفا .
هامش
( 1 ) الإتقان ج 4 ص 158