ممن يعمل في القرآن عقله أو هواه لوضع البسملة في أول سورة براءة قياسا على جميع سور القرآن ولما وجد في ذلك حرجا البتّة ؛ ولكنه التزم واتبع ولم يتأول ، مما يدل على أن الأمر توقيفى لا اجتهادي ، ويمكن أن يقال هنا إنه كان أمر ترتيب القرآن موضع اجتهاد وجرأة ، لطرحها أو طرحها غيره من موضعها في سورة النمل ، لأنها لم ترد في أول السورة كما هو الحال بالنسبة لسائر سور القرآن .
وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : " ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا " فيه إشارة إلى أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يكن يعرف اسم السورة حتى يأتيه بها جبريل عليه السلام بدليل أنه عينها ببعض محتوياتها لا باسمها ، كما في الحديث الذي رواه مسلم عن عمر قال : ما سألت النبي صلى اللّه عليه وسلم عن شئ أكثر مما سألته عن الكلالة ، حتى طعن بإصبعه في صدري وقال : يكفيك آية
يَسْتَفْتُونَكَ
التي في آخر سورة النساء ( الآية : 176 ) ، فقد حدد النبي صلى اللّه عليه وسلم هنا السورة باسمها لا ببعض محتوياتها ، وقربها للسامع بالإشارة إلى موضعها في السورة على جهة التيسير .
ويمكن أن نقول إن ترك عثمان للبسملة في أول سورة براءة ، يعتبر سنة ، إذ وافقه على ذلك جميع الصحابة الذين لا يجتمعون على ضلالة ، وأعمال الخلفاء الراشدين وأقوالهم داخلة في عموم سنة النبي صلى اللّه عليه وسلم بنص قوله : ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى ) ولعل النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يبينها لحكمة ؛ وما كان لعثمان أن يضيف إلى القرآن ما ليس منه . قال البيهقي في المدخل : " كان القرآن على عهده صلى اللّه عليه وسلم مرتبا سوره وآياته على هذا الترتيب إلا الأنفال ، وبراءة لحديث عثمان السابق « 1 » .
وقد وردت الآثار بتعزيز هذه المسألة فقد روى مسلم قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : " اقرءوا الزهراوين ، البقرة وآل عمران " ، وكحديث سعيد بن خالد : " قرأ صلى اللّه عليه وسلم بالسبع الطول في ركعة " رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ؛ وما رواه البخاري عن ابن مسعود أنه قال في بني إسرائيل ، والكهف ، ومريم ، وطه ، والأنبياء : " إنهن من العتاق الأول وهن من تلادى " أي ذخائرى وعتادى ، حيث ذكر النبي صلى اللّه عليه وسلم هذه السور نسقا كما هي في ترتيب المصحف ، وورد أنه صلى اللّه عليه وسلم سمى سورة الحمد بفاتحة الكتاب وهي كذلك موضوعة في أول المصحف .
هامش
( 1 ) المصدر نفسه 178