الشيعة اعتقادهم في سلامة القرآن من التحريف بالزيادة أو النقصان وبأنه لم يتغير البتّة منذ نزل على محمد صلى اللّه عليه وسلم « 1 » .
وإذا فخبر حرق عثمان لبعض المصاحف يمكن فهمه على أنه كان يقصد به مصاحف خاصة لبعض الصحابة ممن رأوا الاستغناء عنها ، فأمر عثمان عندئذ بحرقها إكراما لكلام اللّه تعالى من أن تذروه الرياح ، أو تدوسه الأقدام ، أو يمتهن على أي نحو من الأنحاء .
وهب أن عثمان قد استطاع أن يحرق المصاحف في موطن ما ، فكيف بالمواطن الأخرى ؟ وإذا كان عثمان قد استطاع حرق المصاحف ، فهل كان يستطيع قتل الحفّاظ الذين حفظوا المصحف حرفا حرفا ، وتعلموا قراءته وإعرابه وبلاغته وأحكامه . . . الخ ؟
ينبغي أن ننظر فيما ورد في الرواية التي استشهد بها الكاتب ، من أن عبد اللّه بن مسعود قد اعترض على فعل عثمان ، وأنه أمر المسلمين في الكوفة بإمساك مصاحفهم ؛ وهذا صحيح جاءت به بعض الروايات عن ابن مسعود ، وقد كان هذا العمل اجتهادا منه لا طعنا في عمل عثمان ، ولا بتهمة للقرآن ؛ فقد ورد عنه أيضا رجوعه عن ذلك ، ودخوله في الإجماع بشأن توحيد القراءة ، وجمعها في مصحف إمام « 2 » .
ودعوى أن مصحف عبد اللّه بن مسعود كان يختلف عن مصحف عثمان ، فباطلة ، إنما يضم مصحف عبد اللّه بن مسعود قراءته بلا شك ، وقراءته بلا شك هي قراءة عاصم المشهورة عند جميع أهل الإسلام شرقا وغربا يقرأ بها المسلمون وهي مما صح تنزيله « 3 » . بل إننا لنقرأ في كتاب " المصاحف " لابن أبي داود ( ت : 316 ه ) في الجزء الأول منه ، هذا العنوان " رضاء عبد اللّه بن مسعود لجمع عثمان رضي اللّه عنه المصاحف " .
هامش
( 1 ) الطبرسي على الفضل بن الحسن مجمع البيان في تفسير القرآن تحقيق السيد هاشم المحلاتي والسيد فضل اللّه الطباطبائي بيروت . دار المعرفة 1406 ه 1986 م ج 1 ص 110 ، وقارن بما أورده موسى جار اللّه في الوشيعة في نقد عقائد الشيعة . تحقيق جماعة من كبار العلماء - القاهرة - مكتبة الكليات الأزهرية - 1984 ص 116 .
( 2 ) الإتقان 1 / 204 ، وكتاب المصاحف لابن أبي داود ص 16 ، 17 .
( 3 ) ابن حزم الفصل في الملل والنحل 2 / 79 .