اختيارنا في هذا الموضوع
أما أنا فاعتقادى أن الحق مع الشاطبى رحمه اللّه ، لأن الأدلة التي ساقها لتصحيح مدعاه أدلة قوية ، لا يعتريها الضعف ، ولا يتطرق إليها الخلل ، ولأن ما أجاب به على أدلة مخالفيه أجوبة سديدة دامغة لا تثبت أمامها حججهم ، ولا يبقى معها مدعاهم .
وهناك أمور أخرى يتقوى بها اعتقادنا أن الحق في جانب الشاطبى ومن لف لفه ، فمن ذلك ما يأتي :
أولا - الناحية اللغوية :
وذلك أن الألفاظ اللغوية لم نقف عند معنى واحد من لدن استعمالها إلى اليوم ، بل تدرجت حياة الألفاظ وتدرجت دلالاتها ، فكان لكثير من الألفاظ دلالات مختلفة ، ونحن وإن كنا لا نعرف شيئا عن تحديد هذا التدرج وتاريخ ظهور المعاني المختلفة للكلمة الواحدة ، نستطيع أن نقطع بأن بعض المعاني للكلمة الواحدة حادث باصطلاح أرباب العلوم والفنون ، فهناك معان لغوية ، وهناك معان شرعية ، وهناك معان عرفية ، وهذه المعاني كلها تقوم بلفظ واحد ، بعضها عرفته العرب وقت نزول القرآن ، وبعضها لا علم للعرب به وقت نزول القرآن ، نظرا لحدوثه وطروه على اللفظ ، فهل يعقل بعد ذلك أن نتوسع هذا التوسع العجيب في فهم ألفاظ القرآن ، وجعلها تدل على معان جدت باصطلاح حادث ، ولم تعرف للعرب الذين نزل القرآن عليهم ؟ وهل يعقل أن اللّه تعالى إنما أراد بهذه الألفاظ القرآنية هذه المعاني التي حدثت بعد نزول القرآن بأجيال ، في الوقت الذي نزلت فيه هذه الألفاظ من عند اللّه ، وتليت أول ما تليت على من كان حول النبي صلى اللّه عليه وسلم ؟ . . أعتقد أن هذا أمر لا يعقله إلا من سفه نفسه ، وأنكر عقله .
ثانيا - الناحية البلاغية :
عرفت البلاغة بأنها مطابقة الكلام لمقتضى الحال ، ومعلوم أن القرآن في أعلى