في ذلك ، فلما فرغ وخرج ، عاودوه ذكر ذلك ، فقال لهم : قد سألته على لسانكم كما تحبون ، لأخبركم بالجواب الذي يقمعكم لا لجواز الرؤية ، فتجلى للجبل بعض آياته فصار دكا ، فكفروا بطلب الرؤية ، لاستلزامها اللون ، والتركيب ، والتحيز ، والحدود ، والحلول . . وذلك كله يستلزم الحدوث ، وذلك كله محال على اللّه ، وإذا كان ذلك مستلزما عقلا لم يختلف دنيا وأخرى ، فالرؤية محال دنيا وأخرى ، ولا بالإيمان ، والكفر ، والنبوة ، وعدمها « 1 » ) اه .
وعند قوله تعالى في الآية ( 153 ) من سورة النساء
« يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً . .
الآية ) يقول :
( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ
إذ سألوا رؤية اللّه جل وعلا الموجبة للتشبيه . . وقالت الأشعرية : الصاعقة إنما هي من أجل امتناعهم من الإيمان بما وجب إيمانه إلا بشرط الرؤية ، لا من أجل طلب الرؤية .
وهو خلاف ظاهر الآية ، مع أن الرؤية توجب التحيز ، والجهات ، والتركيب والحلول ، واللون ، وغير ذلك من صفات الخلق . ويدل لما قلته قوله تعالى :
( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
« 2 » ) والأشعرية لما أفحموا قالوا :
بلا كيف . وحديث الرؤية إن صح فمعناه : يزدادون يقينا بحضور ما وعد اللّه في الآخرة ، فلا يشكون في وجود اللّه . وكمال صدقه ، وقدرته ، كما لا يشكون في البدر « 3 » ) اه .
أفعال العباد :
وإذا كان المؤلف يتأثر بآراء المعتزلة أحيانا ، فإنه يصرح بمخالفتهم في بعض المسائل ، فمثلا نراه يقرر : أن أفعال العباد كلها بإرادة اللّه تعالى وأن العبد لا يخلق أفعال نفسه . ونراه يرد على المعتزلة ولا يرضى موقفهم من هذه المسألة
هامش
( 1 ) ج 2 ص 42 .
( 2 ) في الآية ( 103 ) من سورة الأنعام
( 3 ) ج 5 ص 173