إلا أنا لا ننكر أن في الناس من ليس أهلا للاجتهاد ، وهؤلاء لا بدّ لهم من التقليد ولست في شك من أن الشوكاني مخطئ في حملاته على المقلدة ، كما أنه قاس إلى حد كبير حيث يطبق ما ورد من الآيات في حق الكفرة على مقلدى الأئمة وأتباعهم . وإليك بعض ما قاله في تفسيره :
فمثلا عندما تعرض لقوله تعالى في الآية ( 28 ) من سورة الأعراف
« وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ »
قال : ما نصه : ( . . . وإن في هذه الآية الشريفة لأعظم زاجر ، وأبلغ واعظ للمقلدة ، الذي يتبعون آباءهم في المذاهب المخالفة للحق ، فإن ذلك من الاقتداء بأهل الكفر لا بأهل الحق ، فإنهم القائلون :
« إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ
« 1 » » والقائلون
« وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها
« 2 » » والمقلد لولا اغتراره بكونه وجد أباه على ذلك المذهب ، مع اعتقاده بأنه الذي أمر اللّه به ، وأنه الحق لم يبق عليه ، وهذه الخصلة هي التي بقي بها اليهودي على اليهودية ، والنصراني على النصرانية ، والمبتدع على بدعته ، فما أبقاهم على هذه الضلالات إلا كونهم وجدوا آباءهم في اليهودية أو النصرانية أو البدعة . وأحسنوا الظن بهم ، بأن ما هم عليه هو الحق الذي أمر اللّه به ، ولم ينظروا لأنفسهم ، ولا طلبوا الحق كما يجب ، ولا بحثوا عن دين اللّه كما ينبغي ، وهذا هو التقليد البحت والقصور الخالص فيا من نشأ على مذهب من هذه المذاهب الإسلامية ، أنا لك النذير المبالغ في التحذير من أن تقول هذه المقالة ، وتستمر على الضلالة ، فقد اختلط الشر بالخير ، والصحيح بالسقيم ، وفاسد الرأي بصحيح الرواية ، ولم يبعث اللّه إلى هذه الأمة إلا رسولا واحدا أمرهم باتباعه ، ونهى عن مخالفته فقال :
« وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
« 3 » » ولو كان محض رأى أئمة المذاهب وأتباعهم حجة على العباد ،
هامش
( 1 ) في الآية ( 23 ) من سورة الزخرف .
( 2 ) في الآية ( 28 ) من سورة الأعراف .
( 3 ) في الآية ( 7 ) من سورة الحشر .